انصروا مذهبي !

كنت أفكر في الموضوع منذ مدة، إلا أن مدونا فيسبوكيا حفزني بعد ان استجدى في أحد منشوراته التعاطف مع ضحايا تفجير لموكب ديني في نيجيريا! وهو ليس الأول ولن يكون الأخير الذي يطالب بنبرة عنصرية ان يتعاطف العالم مع ضحايا أبناء مذهبه!

لمَ كل هذه الضجة لأجل ضحايا فرنسا؟ لمَ ليس لضحايا نيجيريا او العراق او لبنان او سوريا؟

المعلومات في عالمنا يتم تداولها من خلال وسائل الاعلام او الأجهزة الثقافية عموما. بعد تداعيات دخول القوات الامريكية للعراق سنة 2003 والربيع العربي؛ فتحت ملفات سياسية عديدة لم تترك من صراعات التاريخ الدينية دون ان تستولدها وتجندها في سبيل معتركات السياسة.


لا احد يستطيع ان يفهمنا كمجتمع يعيش في بيئة مغلقة او منغلقة على نفسها وتاريخها الا من خلال ما نبثه اعلاميا وثقافيا، وان اقتربنا - على افتراض اننا سنكون حياديين هذه المرة - من ما تبثه وسائل الاعلام والأخبار والمنتجات الثقافية من مقال وخطاب حول ما يدور ويحدث يوميا في العراق، فسنشخص بسرعة انتماءاته باعتبارها إسلامية عموما:

الأول:- الخطاب الشيعي السائد وما يتبعه من رؤية تاريخية حتى اليوم، وولاء السياسي والفكر والنظرة حول تفاصيل مختلفة نذكر منها موقفة الذي يمجد حد التقديس ما يسمى بالحشد الشعبي ونظرته الراسخة بالمظلومية التي يعتقد انها مستمرة حتى اليوم، طموحة بالدولة الدينية على النموذج الإيراني! وغيرها من تفاصيل وجمهور من كتاب وقراء يتبعون مزاجا سياسيا ودينيا ثابتا ورأيا موحدا شاملا في الكثير من المواضيع، والأهم من ذلك هو صراعهم "وان أنكروا" مع حملة الثقافة الاسلامية التي سنذكرها بعد هذه!



الثاني:- الخطاب السني السائد وما يتبعه من احلام قومية عروبية وشعارات وتفاصيل اخرى نذكر منها موقفه المعادي لإيران وتمجيده الدكتاتور صدام ولعنه لمن هو بمثل افعال صدام بتناقض عجيب مثل لعنه للقذافي او بشار الأسد - ربما هذه تفصيلة يجب ان نقف عندها لأن بشار قبل الثورة السورية كان ضمن الجبهة السنية العروبية، وقد حرصت جبهة الاعلام الشيعي على تصويره راعي البعث الصدامي بعد 2003 والتأكيد على أنه المسؤول عن فتح الحدود وزج الآلاف من المقاتلين العرب الى العراق ليفجروا أنفسهم وسط المدنيين الشيعة في العراق، حتى انقلب الأمر ليصبح العدو اللدود للجبهة السنية والحليف الأقرب للجبهة الشيعية الذي حرص اعلاميا على دعمه والتحشيد لزج الشباب الشيعي للتطوع والقتال في سوريا مع بشار! - وكل هذا ايضا يصنع بأسلوب شمولي في اتخاذ المواقف والاّراء ولا يختلف فيه فردان!

أي انك لست أمام أفراد إطلاقا، بل امام مجاميع وقطعان بشرية تسلك سلوك الببغاوات يتزعمها صناع رأي من الطرفين ما ان ينطقون بحرف حتى يتلاقفه القطيع ليكرره آلاف المرات في كل مكان!

إن الجبهة السنية متأثرة بالفكر القومي الاشتراكي بعد ان تأسلمت بتأثير خليجي عربي! والجبهة الشيعية بالأساس متأثرة بالفكر الشيوعي الاشتراكي بعد ان تأسلمت بتأثير خليجي فارسي!

إن دققت في صناع الثقافة والاعلام في العراق "باعتباره المنطقة الاساسية لهذا الصدام" ستكتشف ان اغلب المثقفين الشيعة هم أبناء شيوعيين او انطلقوا من الشيوعية. في حين نشأ المثقفون السنة في بيئة بعثية تؤمن بالقومية العربية! وربما يفسر هذا التحالفات الإقليمية مع وريثة الاتحاد السوفيتي ووريثة الحلف الأطلسي!

ملخص الكلام هنا هو ان هناك غولا إعلامي وثقافيا كبيرا يتصارع مع غول آخر بسبب صراع سياسي وعسكري ومدني أيضا! فالمدنيون على الطرفين ليسوا بمعزل ان يكونوا عنصريين ضد اصحاب الجبهة الأخرى وان يكونوا المصدر الأساسي للموارد البشرية للجيوش والاعلام والمثقفين وصناع الرأي العام ورجال الدين والسياسيين والخطباء وجمهور الخطباء وغيرها من الفئات التي تحتاج موارد بشرية!

باختصار؛ اي شخص ليس في هذا الصراع سيتيه بشكل تام لأن الفاصل والخط الأساسي الذي يميز الضحية وجلادها قد اختفى، ولأن الأغلبية جلادون وضحايا في الوقت ذاته!

بعبارة أخرى ان الخط الفاصل بين ان تكون مدنيا صاحب رأي او ميول سياسية مع شخص يحمل الكراهية والحقد العنصري على شكل بيدق مسيس او متدين او كليهما وأن يكون مستعدا لأن يحمل السلاح لنصرة عقيدته او رأيه السياسي او كليهما.. إن صراعا من هذا النوع قد اختفى! انه خط يجب ان يكون واضحا لمن يريد ان يتخذ موقفا اخلاقيا متعاطفا مع الضحية الحقيقية في هذا الصراع!

الفرنسيون كإعلام ومثقفين نجحوا بالتسويق لمدنييهم، وليوضحوا للعالم هذا الخط الفاصل!

نجحوا في ان يبينوا أن فرانسوا وايديل والكلب ديزيل وضحايا العمل الإرهابي البقية هم اشخاص مدنيون لم يكونوا طرفا في صراع تاريخي وليسوا جنودا لدى مرجع ديني او سياسي ما، هم اشخاص مهتمون بالموسيقى وأطباق المطاعم والتكنولوجيا والحصول على عمل أفضل، وجل أحاديثهم لا تتجاوز ذلك لأنهم لا يعيشون بالتاريخ وليسوا وقودا في صراع بدأ بمعركة بين سكان الصحراء سميت بالجمل، ولم يتبنوا عقيدة تحمل راية ثأر عمره 1400 سنة والجهاد المقدس والكراهية!


الأجمل من ذلك هي البراعة بالتركيز الإعلامي في أحاديث أقارب الضحايا حول تسامحهم وتحديهم لمن يرهبهم بالانطلاق في حب الحياة والعيش وتجاوز الأمر بطريقة ناضجة!

من منكم لم يشاهد ذلك اللقاء بين الأب والابن على فضائية فرنسا؟ ومن لم يقرأ ترجمة منشور زوج إحدى الضحايا؟

إنهم بارعون في تصوير ان ضحايا الحادثة كانوا يحبون الحياة ولا يهتمون بصراعات العقائد والسياسة ولا يكرهون أحدا وليسوا طرفا في أي صراع. لا يوجد شخص يحشو بدماغهم سادية عذاب القبر، أو نبوءة فلم الرعب والأكشن عن يوم القيامة، أو عن ختم الولاية وقصة الشجرة التي تفتن بوجود يهودي خلفها لتدعو المسلم للقدوم وقطع رأسه نصرة لدين الله!

إنهم لا يكترثون لهذه الأمور ويعتبرونها أساطير تخص معتقديها!

هل تستطيع أن تعثر على باريسي يشتم ألمانيا لأجل ذكرى الحرب العالمية؟ وأن تعثر على لندني يلعن بني فرانسوا "على وزن بني أمية" لأجل جد جد جده التاسع الذي قتل بحرب المائة عام؟

لن يجد السيد المدون تعاطفا عالميا معه أو مع نيجيريا، لأنه ليس ضحية إنما منبر في صناعة الصراع! أنتم ضحايا أنفسكم وخياراتكم في العيش بالتاريخ والموت في سبيل ما تعتقدون به وكراهية أحفاد أحفاد أعداء أجدادكم!

لا أحد يكترث بحالكم لأنكم لا تكترثون لأنفسكم بقدر موروثاتكم وإحياء تاريخ الموتى وجريان نهر الدم المقدس إرضاء لهذه النزوة البشرية المزمنة بالاستثمار في أساطير ما بعد الموت.

أنتم لا تهتمون بما تفعلونه لأنفسكم بحياتكم بقدر اهتمامكم بما تعتقدون أنكم قادرون على فعله بعد الموت! وبالتأكيد هذا الكلام لن يكون منطقيا أبدا على من نشأ ولا يزال بعقيدة الانغلاق والثأر والتاريخ ولا يسعى لرؤية ما ينقضها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان