حينما يكون المواطن مواطنا فقط


على من يحكمون البلد بعد خروج داعش أمل كبير ومسؤولية عظيمة بانتشاله من الصراع الطائفي والمذهبي ودفعه بعيدا عن حرب اخرى بدأت طلقات مخاضها في طوزخورماتو.

للعراق مراحل كما يبدو، ولأننا لسبب ما لا نطيق ان نبقي على نظام ما إلا ونقتلع معه كل أساسيات بناء الدولة مرة واحدة فنصبح كالعرايا أمام المستورد من اليمين ومن اليسار والشمال والجنوب بدون وعي ولا دراسة ولا تدقيق، فتعاد الكرة من الصفر وننصدم بالخلافات والاختلافات والصراعات التي تشب بيننا، فصار لدينا عراق ما بعد الملكية، وعراق قاسم، وعراق ما بعد قاسم، وعراق البكر، وعراق صدام، والعراق الجديد أو "عراق الجلبي"، وعراق المالكي، وعراق اليوم "أبو ستين رقعة وقطعة وولي وطائفة"، أو ما بعد المالكي الذي يسعى بكل وسيلة ليكون عراقه مرة أخرى.


كيف سيكون "عراق ما بعد داعش" بعد أن ضاعت خطوط الفصل الواضحة بين ان تكون مدنيا وان تكون مسلحا في عراق اليوم؟ وبات السلاح خارج الدولة وخارج الهيئات التابعة للدولة وخارج الفصائل التابعة لهيئات الدولة! إنه أمر ساخر حقاً وانت تجلس وسط فوضى المسلحين ودولهم التي باتت درابين واحياء حتى!


عراق تحكم أحياءه العشائر المسلحة، ويحكم مدنه زعماء العشائر، وتتصارع على ما تبقى من خرائبه ثلاث عشائر كبيرة أحرقت البلد حرقا على مدى قرن وربع تقريبا!


أتذكر مرة، وضمن حديث أصدقاء، اتفقنا على عبارة تقول "انك تعيش في بلد يغلبه المبدعون في صناعة القاع، فلكم تتصور ان البلد وصل الى القاع، وتقول الحمد لله! ماذا سيحدث أسوأ؟، سرعان ما يطل عليك خبر لعباقرة كشفوا عن قاع جديد لنهبط اكثر". قد تطغى لغة التشاؤم على حديثي هنا، لكن ما سيكون فينا ونحن نرى ونسمع أخبار طوزخورماتو من انفلات وضياع بين قوتين لديهما عدو واحد وحلفاء مختلفون وطموحات سياسية مختلفة ودولة غائبة وقانون مفقود؟


في النهاية سيتوجب على من يقود العراق ويسعى الى بر السلام والاعمار ان يجد ما يجمع الفرقاء لا ما يفرقهم اكثر، وهذا يبين ان منطلقات الفكر المذهبي مدمرة، ومنطلقات الفكر القومي أسوأ، وان اليسار فشل في كل العالم! والدكتاتورية أحرقتنا ودفنتنا في مقابر جماعية، والديموقراطية فرقتنا.


كيف ستجمع السني والشيعي بقانون إسلامي وهما لم يتفقا على أبسط أساسيات تاريخهما الديني؟ وكيف ستخبر الكردي بنزع درعه القومي ونسيان ان صدام ورجاله لا يتربص تحت جلد العربي قبل ان يتعامل مع العراقي العربي؟ وكيف ستخفف من ايديولوجيته الانفصالية وأنت ترى ان العرب يعيشون في سفينة مثقوبة يقودها العشرات من القباطنة الذين يدعون انهم أولياء الله في الأرض؟


في العراق الحلم، حلم ممكن جدا، وحلم لن يكون إلا بدولة تتبنى ما لا يمس خيارات الأفراد وحرياتهم، ويساوي بينهم تماما بالمطلق أمام القانون. حلم لن يبدأ حتى يتفق أغلب العراقيين على دولة تطرد موزعي صكوك الغفران من بين أروقتها، وتضع كل عنصري ينفث فتاوى الكراهية تحت طائلة المساءلة، وتحصر السلاح بيدها، وتفرض قانونا يتبنى حقوق الإنسان كدستور له، وتضع نظاما يحد من تأثير الوعي الجمعي على الديموقراطية، حيث جمهورية لا يحسب للمذهب والقومية حساب ويكون فيها المواطن مواطنا فقط.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان