مرويات المرأة والتصوير الفني ...
عندما نفكر بشأن المرأة ووضعها في الإسلام ..
كيف كانت في الجاهلية ..وهل أنصفها الإسلام حقا ..تتباذر إلى أذهاننا صورا عدة ..
لمشاهدات مختلفة لوضع المرأة في هكذا تركيبة مجتمعية ..قبلية ..ولقد وجدت بين يدي مما قرأت مقالا ولا أروع يصنف ذلك الموروث ويشرح جذوره ويرجعها إلى اصولها الحقيقية ..القلبية الذكورية ..وليست الإسلامية ..
مقالة للدكتور : عبد الحكيم الفيتوري ..
وهذا نصها ..والذي لم أستطع أن أقتص منه حرفا ..فكل جمله هي منظومة بحد ذاتها ..لاتقل أهمية عما بعدها أو عما سبقها ..
ومن المناسب لكي نفهم مكانة الأنثى الحقيقية في فكر الرواة أن نعيد نظم الصورة الكلاسيكية للمرأة كما رسمتها لها المرويات، محاولة تقديم صورتها بلغة الفن والمسرح( التصوير الفني )، من خلال أربعة مشاهد فنية أحسب أنها غطت أبرز أطوار حياة الأنثى المفصلية منذ الولادة إلى الولاية الكبرى، وذلك بغية الوصول إلى تصور حقيقي لصورة المرأة ومكانتها في ذهن الرواة وإكراهات قيم تلك المجتمعات الغابرة.علما بأن اللغة الفنية تكمل الدور الذي تقوم به لغة الكلمة، فإذا كانت اللغة نسق من الاشارات الصوتية المتفق عليها في مجتمع محدد، وكل كلمه فيها تقوم مقام الرمز، تهدف الى نقل المعنى والمدلول الرمزي عن الموجود موضوعيا، ويفهم دلالة الرمز في سياق الكلام، وأي تحويل للكلمة من وقعها في سياق العبارة أو الجملة من شأنه أن يحمل الكلمة دلالة جديدة في المعنى وضبط الشكل(الاعراب).
فكذلك لغة المسرح والفن، فمثلا عندما تنطق كلمة(المرأة) في القرآن فمن المفترض أن نتخيل صورة المرأة، بصفاتها الحقيقية من خلال قيم الوحي، ومكانة أمهات المؤمنين ، والصحابيات من سيرة رسول الله. وعندما نغير الكلمة فنقول( المرأة) في الرواية والاسناد لا يحضر في ذهننا صورة المرأة في القرآن المساوية للرجل في التكاليف والمسؤولية الدنيوية والأخروية( فمن يعمل من الصالحات من ذكر وأنثى)، وإنما صورة للمرأة الناقصة في عقيقتها،وبولها،وعقلها،ودينها،وفي إدارتها. أي أن صورة المرأة في الروايات صورة لمخلوق ناقص في كل شيء، وموضوع وليس ذات،ومتاع وليس قيمة !!
فلو أردنا إعادة تشكيل صورة هذه المخلوقة مسلوبة الارادة، العاجزة، القاصرة،غير قادرة على إدارة نفسها، وتدبير أمورها، بلغة فنية تجمع جل الاحاديث التي تخص المرأة، ثم تقديم هذه المرويات عبر أربعة مشاهد مسرحية تشكل لوحة فنية مكتملة، لتضح لنا بجلاء من الذي رسم برشته تلك الصورة السيئة للمرأة المسلمة، وكم كانت اسائته بالغة لقيم الوحي وشخص الرسول عليه الصلاة والسلام .
المشهد الأول:رجل يعيش بيئة ذكورية صحراوية تعتمد على مبدأ الدفاع الشخصي والرجولة في توفير الأمن والآمان، يفرح بولادة فرسه على ولادة زوجته أنثى ، وإذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به...أيمسكه على هون...أم يدسه في التراب. هذا الرجل المشبع بثقافة إزدراء الانثى دخل في مرحلة انتقالية جديدة من ثقافة الجاهلية إلى قيم الإسلام ، وإثناء هذه المرحلة يبشر الرجل بالأنثى، وهو حديث عهد بتلك السياقات التاريخية، والانساق الاجتماعية، والإكراهات العرفية . فكيف تتصور إن يقوم هذا الرجل بواجب الشكر والابتهاج والفرح بوصول هذه الأنثى إلى دنيا الناس؟ يأتى دور الرواية والاسناد في الاجابة على هذا التصور فـ( عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة )،ويشرح بعض منظري الرواية ذلك بقوله: يعق عن الغلام ولا يعق عن الجارية ولا كرامة !! (23)
المشهد الثاني:صورة هذه الوليدة التي قد خرجت لتوها من مآزق التمييز العنصري أو الجاهلي بتفضيل الذكر عليها في العقيقة والفرح والسرور. وما أن تتجاوز الأسابيع الاولى وتتنفس الصعداء إلا وتجد نفسها قد دخلت نفقا أخر حيث يمييز فيه المجتمع بول الذكر على الأنثى، كما صورته مدونة الأحاديث في القرن الثاني ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام )، وعلل الحافظ ابن حجر في القرن السابع ذلك بقوله: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة.(24) وزاد أحد المشايخ(25) في القرن الرابع عشر شرحا أو إن شئت شرخا حيث نقل تفسير هذه الرواية برؤيتين؛رؤية جاهلية وأخرى توراتية، فقال:إن الطفل كثيرا ما ينتقل من يد هذا ليد ذاك فرحا واستبشارا على عكس الرضيعة الانثى فهي ليست محل ترحيب مشابه. ولهذا فإن كثرة انتقال الطفل من بين الأشخاص يعسر على الجميع أداء الوضوء، ولان الدين يسر فقد شرع الشرع هذا الأمر تيسيرا على الناس ورحمة بهم !! (26)
ثم ذكر هذا الحافظ الرؤية التوراتية فقال:أن الله خلق أدم من طين، والطين لا ينتن، وخلق حواء من ضلع أدم، فحواء أذن من لحم وعظم؛ واللحم والعظم يفسدان ويصيبهم النتن، ولهذا فإنه يوجب الوضوء من بول الطفلة نظراً لان مرجعيته قابلة للنتن أما الطين فلا !! (27) علما بأن الاطباء في القديم والحديث متفقون على أنه لا يوجد أختلاف بين كلية الذكر والانثى،ومعلوم أن الكلية هي العضو الذي يقوم بعملية انتاج البول عند الانسان !!
مشهد فني رهيب دارت مقاطعه على خشبة مسرح في سطور، تم فيها اختصار بعد الزمان والمكان عبر قرون متوالية قرابة اثنى عشر قرنا(2-14)،وخلق لنا مسافة للاستعارة بين المشهد الروائي وبين الواقع تمكننا من قراءة صورة مخلوق غير مرحب به، يمارس عليه كل أصناف القهر والتحقير والدونية تدينا . ومن ثم تصور إمكانيات ومقدرات هذا المخلوق الذي تكتنفه تلك الثقافات أن يكون فاعلا وليس مفعولا به، ذاتا وليس موضوعا، قيمة وليس متاعا ؟!!
المشهد الثالث: وما أن بكبر هذا الوليد غير المرحب به، ويخرج من تلك المآزق والمطبات الثقافية إلى الحياة العامة،ومحاولة التعاطي معها بشيء من المسؤولية إلا ويجد ذات الثقافة تحيطه كإحاطة المسور للمعصم، وذلك من خلال منظومة إسنادية حديثية، المرأة عورة،وصوتها عورة، وإذا خرجت استشرفها الشيطان، وإذا تعطرت فهي زانية. وإذا ما حاولت دخول عالم المال والبيع والشراء وجدت أن شهادتها لا تعدل شهادة الذكر، وإنها ناقصة عقل،ودين !!
المشهد الرابع: وهو المشهد الختامي يصور لنا المرأة( المخلوق غير المرحب به) هائمة على وجهها، مثقلة بهموم ثقافة ذكورية مارست عليها أساليب الاغلاق والاقصاء والتحجيم وكل ذلك باسم الإسلام ظلما وعدوانا. وما أن تفكر هذه المرأة بأن تعيد الكرة المرة تلوا المرة في إعادة الثقة في نفسها وإمكانياتها العقلية والنفسية والجسمية،وتحاول أن تخط لنفسها طريقا جديدا يجمع لها الإلتزام بدينها والنجاح في دنياها حتى تفاجأ بأن سلطة تلك الثقافة ثقافة الرواة تحاصرها بطريقة تحريضية، حيث تحذر المجتمع من تسليم زمام الأمور للمرأة ، لأن في قيادتها وبال وخسران وعدم فلاح للمجتمع كافة، وذلك بدعاء رسول الله على المجتمع الذي يتنازل للمرأة بإدارة مؤسساته السيادية(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ). وكأن حاجتها إلى المدير، والمدبر، والقيم، حاجة فطرية متجذرة في لا وعيها !!
وهكذا تتفق مضامين المشاهد الفنية مع ذات المعاني الكلامية لحقيقة صورة المرأة عند الرواة،وهي صورة في حقيقتها تتباين مع صورتها من خلال قيم الوحي المقاصدية المتحركة(السهمية) التي تراعي السياق التاريخي والنسيج الاجتماعي في الفهم والتنزيل. ولعل المستفيد الحقيقي وراء عملية تزييف وعي الناس بمكانة نصف المجتمع(المرأة) هي تلك السلطة المشدودة بثقافة ما قبل الإسلام سواء في نظام توريث الحكم، أو بالنظر إلى قيمة المرأة.وقد كانت سلطة الرواية والاسناد بمثابة الإعلام الرسمي للمؤسسة الحاكمة، وبالتالي فإن الرواية كانت الاسلوب المناسب للسلطة السياسية للاتصال بالجماهير ونقل الرسائل التوجيهية عبرها، خاصة وأن المنظومة الكلاسيكية قد أصلت للعقل الحشوي التمجيدي النقلي الذي يعتمد سلسلة الاسناد، وحرفية المتن، دون مراعاة لقصدية وحركية المتن ومستوياته الدلالية !!
لذا إذا أردنا إعادة الأمور إلى نصابها، والدفاع عن قيم القرآن، فلا بد من إحداث القطيعة المعرفية الواعية، وذلك بممارسة نقد لتلك الروايات، وأنماط تفكير الرواة،من خلال جهاز قرآني قيمي، يعتمد المنهجية القصدية، والقراءة السهمية، التي تأخذ في الاعتبار تغير المكان، وتبدل الزمان، وتجدد حاجة الانسان، وبالتالي يمكن لهذه الأمة المساهمة بكل مكوناتها(ذكورا وإناثا) بصورة من الصور في الحضارة الانسانية والمشاركة الحقيقية في بناء الصرح الحضاري الانساني القائم. وبتلك القطيعة المعرفية الواعية يمكن لنا الخروج من المنخفض الحضاري،ومنطق التترس في خنادق التخلف، والتلبس بأساليب الجهل المسلح !!
الخلاصة
لا يخفى أن منهج(الاسنادية والحذفية) في تشخيص الحقائق منهجا يزود اتباعه بمعيارية معينة تبقى ملازمة لهم ، سواء في مقاسات التفاضل،أو مستويات التعامل مع الأخر. ولا يمكن تغير هذه المعيارية إلا من خلال إعادة النظر في قيم تلك المنهجية(الاسنادية والحذفية)برؤية قرآنية قصدية سهمية تسعى لتشكيل منظومة قيمية جديدة على أنقاض النسق القيمي القديم، تجعل المساواة مرجعية قيمية تلغي فيها الفوراق والخصوصيات المصطنعة بين الذكر والأنثى، وعلى أساسها يتم التعامل مع المرأة لكونها انسانة بقيم رسالة القرآن الانسانية، فتتخلص الحقيقة من نسبيتها في هذا المجال استنادا إلى أمر حقيقي متفق عليه وهو انسانية الانسان الذي يحتم على جميع البشر مبدأ المساواة وقيم العدل .
وبذلك يمكن الخروج من شرنقة المجتمع الذكوري الذي ينظر للمرأة بأنها عورة غير مؤتمنة على شرفه، ولها قابلية السقوط أمام الرجل بمجرد الانفراد والخلوة بها. ولعل ظروف البيئة العربية الذكورية، وحضور قضايا الشرف في ثقافتها وأعرافها وآدابها كانت السبب الرئيسي وراء هذا الكم الهائل من الروايات والاسانيد التي صورت المرأة أقل من الرجل في كل شيء، وأعطت للرجل حق الحجب والحجز والحجر عليها. ويبدو أن أغلب ما جاء في هذه الروايات في التقليل من مكانة المرأة .. لا تنتمي لقيم القرآن ورسالته الانسانية، وتجافى العقل والحس السليم،وبالتالي فهي على أحسن الأحوال وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية أريد بها التدرج من أعراف جاهلية إلى قيم رسالية، ولكن بسبب القراءة السهمية المعكوسة لقصدية القرآن، والمنهجية الحذفية(حذف السياق التاريخ والنسيج الاجتماعي) تجذرت هذه الروايات وتم أعلان الجهل المسلح ضد قصدية القرآن وقرأته قراءة سهمية ،
تحت شعار :
فالخير كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف !!
ومما يعني أن الخطوة الأولى على طريق إعادة إنسانية المرأة هي تفكيك القيم المغلوطة عن المرأة الرابضة في اللاوعي ، التي تعمل على ترسيخ وتجذير دونية المرأة ونقصانها كضرورة حياتية، وإعادة تشكيل العقل ضمن سياقات قصدية وسهمية تؤسس لوعي جديد تتمرد على تلك القيم المغلوطة، وسلطة التاريخ ورواته العتيدة التي ظلت تحاصر العقل وقصدية القرآن، وتضغط باتجاه قبول دونية المرأة وأفضلية الرجل .
وأحسب بتلك الخطوات الجادة نحرر قيم القرآن وقصديته في العدل والمساواة والكرامة(ولقد كرمنا بنى آدم)ونطق مداها الرسالي من إكراهات ثقافة الرواة، والذي بمقتضاها-يفترض- أن تقود الرجل إلى تجاوز كل الانانيات، والعصبيات، والعنصريات التي تفضي إلى العسف والجور والدونية وتحقير المرأة كأنثى. أيضا ينبغي أن يصون العقلاء عقولهم من الخوض مع الخائضين في تشويه صورته عليه الصلاة والسلام بأثبات تلك الروايات المنسوبة إليه !!
وهكذا تعي المرأة ذاتها،أو بهذه الطريقة يستبين لها سبيل الانعتاق من تداعيات ثقافة دينية مغلوطة قد عانت منها ردحا من الزمان، وما زالت ترزخ تحت وطأتها لدرجة أكسبتها قابلية لقبول الدونية تدينا !!
دمتم بخير...
مصطفى الصوفي
مغامرة العقل
تعليقات
إرسال تعليق
التعليق ضروري لاهمية مشاركة الاخرين وجهة نظر وافكار وان كانت لا تتفق معنا , الصمت ليس علامة الموافقة دائما فلا تحرمنا من فرصة الاستفادة منك للاضافة تنقيح افكارنا من الخطأ الذي قد نقع به ويقع به الاخرين حينما يطلعون على افكارنا , فلا تكن بخيلاً بتعليق لن ياخذ منك سوى دقيقة سواء اتفقت ام اختلفت معنا .