الفرق بين الفكر الصفوي والفكر العلوي-الجزء الثالث


قلنا سابقا ان الإسلام دين تجلي للبشرية في صورة (لا ) صدع بها وارث إبراهيم ، ومظهر دين توحيد الخالق ، ووحدة الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، (لا ) بها يبتدئ شعار التوحيد ، ومنها ينطلق الإسلام في مواجهة الشرك والإلحاد ، دين أصحاب المصالح والسلطة والجاه .

والتشيّع بمثابة (لا ) ثانية صدع بها علي . وإلى العهد الصفوي ، ظلت كلمة الرفض (لا ) هي المعلم الرئيسي الذي يميز بين الموالين لأهل البيت وأنصار علي وأتباعه وبين غيرهم.

ولكن مع مجيء الصفوية تبلور عندنا تشيّع جديد لا علاقة له بالأئمة ، وإن جعل منهم غطاءً يمرر من خلالهم كل بدعه وانحرافاته . ومن أجل ذلك كانت هذه المحاضرات ، واعتذر في البداية لعدم قدرتي حصر الكلام في مدة محدودة ، وسيكون المخاطب الرئيسي في كلامي هو طلبة الجامعة ، والأشخاص الذين في مستواهم

الفكر وهمّي هو بيان المبادئ العامة لكلا المذهبين والمدرستين ، مدرسة التشيّع العلوي ، ومدرسة التشيّع الصفوي ضمن مواصلتي لسلسلة (تاريخ الأديان ) .

ولكن دعوني أولاً أن أتعرض لمبدأ من مبادئ علم الاجتماع ، سيكون له دور في توضيح المواضيع اللاحقة:


مبدأ الحركة والنظام :

ثمة مبدأ يتم التعاطي معه كثيراً على صعيد علم الاجتماع ، وهو مبدأ تحول الحركة إلى نظام

( Movement to Instirtution)، وحاصله أنه تظهر أحياناً في المجتمع حركة تحمل أفكاراً وعقائد وتطلعات عادة ما يكون وراءها عناصر شابه تنشط في التحرك وتميل إلى التغيير والتجديد .


و يوظف أتباع الحركة أو النهضة كل حركاتهم وأفكارهم لخدمة الهدف الذي يصبون الى تحقيقه ،ويجعلون كل شيء بمنزلة الوسيلة إلى تحقق ذلك الهدف الذي قامت النهضة من أجل الوصول إليه ،

ولكن هذه النهضة بمجرد وصولها إلى حد معين واصطدامها بعراقيل وموانع ذاتية أو خارجية تبدأ بالتوقف والجمود وتنسلخ عن طابعها الحركي التغييري ، وهاهنا تبدأ الأزمة .

لقد كان علي مرآة ( العدل المظلوم ) والمجسد الواقعي للحقيقة التي تضافرت الحكومات على خنقها وحكم عليها الدين الرسمي للدولة بالطمس والكتمان ، وأعرض الشيعي عن المساجد الفاخرة والقصور العامرة التي شيدها خلفاء الإسلام ، ووجد ضالّته في بيت فاطمة ، المشيد من الطين .

الشيعة الأوائل كانوا أقلية محكومة ومضطهدة لا تقدر على ممارسة طقوسها بحرية وعلانية ،ولم يكن يحق للشيعي أن يزور الإمام الحسين في كربلاء أو حتى أن يأتي بإسمه على لسانه، كان دائماً تحت المطاردة وملازماً للتقية خوفاً من خطر القتل والسجن والتعذيب ،أما الآن –أي بعد قيام الدولة الصفوية – فقد تحول الوجود الشيعي إلى قوة كبرى تحكم البلاد وتقع تحت إمرتها أقوى الأجهزة الرسمية ، والحاكم الذي كان يقمع الشيعة بشدة ويعتقل كل من يشك بولائه وحبه لعليّ ويعذبه ويقتله، بات الآن من أكبر المدافعين عن التشيع وأكبر المتظاهرين بالولاء لأهل البيت حتى أنه يفتخر باعتبار نفسه (كلباً) للحضرة الرضوية يا له من انتصار!

الحاكم الذي كان يطارد الشيعة ويعتبرهم أعدى أعدائه طوال ألف عام ، نراه اليوم يضع نعليه على رقبته ويذهب من أصفهان إلى مشهد – حيث ضريج الإمام الرضا- سيراً على الأقدام ، يا له من انتصار .


الحاكم الذي كان يحول دون زيارة قبور الأئمة ويحاول مراراً تخريبها ، هو الآن يشيّد مراقدهم بأبهى صورة ، القبة من الذهب والضريح من الفضة والمئذنة من السيراميك ، يا له من انتصار !

والزيارة التي كان يتلهف الشيعي إليها ويجازف بنفسه متحملاً آلاف الأخطار و الأضرار من قبل الحكومة لأجل أن يوصل نفسه إلى مشهد أو كربلاء ، أمست الآن مظهراً رسمياً تشجع عليه الدولة وتكرم فاعله كما لو أنه ذهب إلى بيت الله الحرام وربّما أفضل ، وتمنحه لقب المشهدي أو الكربلائي أسوة بمن يعود من الحج .. يا له من انتصار !

أما العلماء ورجال الدين الذين كانوا على الدوام في معرض الخطر والمواجهة مع السلطات ويتعرضون لأبشع أنواع الظلم والتنكيل هاهم اليوم معززون مكرمون مرفهون يعيشون في ظروف جيدة للغاية ويجلسون جنباً إلى جنب السلطان على فراشه الوثير ، وقد يستشيرهم في كثير من الأمور المتعلقة بمستقبل البلاد ،بل إن السلطان لا يرى لنفسه قدرة وسلطة إلاّ بمقدار ما يخوله رجل الدين بالنيابة عن الإمام صاحب الزمان ، ياله من انتصار!

ومن هذا الموقع العلوي والحافل بالانتصارات بدأت هزيمة التشيع !

ومن اللحظة التي زالت فيها جميع الموانع والعراقيل بوجه أداء طقوسه العبادية والمذهبية ،وتحول الأعداء إلى أصدقاء ومؤيدين ، توقف الشيعي عن الحركة ليتحول الى وجود اجتماعي غالب وحاكم وجامد وراكد ! وهاهنا يتجسد بوضوح تبدل الحركة إلى نظام .



للتشيع حقبتان تاريخيتان بينهما تمام الاختلاف ؛ تبدأ الأولى من القرن الأول الهجري حيث كان التشيع معبّراً عن الإسلام الحركي في مقابل الإسلام الرسمي والحكومي الذي كان يتمثل في المذهب السني ، وتمتد هذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي ، حيث تبدأ الحقبة الثانية التي تحول فيها المذهب الشيعي من تشيع حركة ونهضة إلى تشيع حكومة ونظام .


علاقة الدولة الصفوية بالدولة العثمانية والدول الغربية :

لماذا حصل ذلك ؟ لماذا أشهر التشيع إفلاسه فجأة وهو في قمة الانتصار ؟ خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت إيران تقع في منطقة خاصة من ناحية التقسيمات والاستقطابات العسكرية والسياسية في العالم . الإسلام والمسيحية كانا يمثّلان آنذاك أكبر قطبين في العالم. النزاع التقليدي بين الشرق والغرب ، وآسيا وأوروبا ، يتجلّى في الصدام الحاصل بين هاتين القوتين العظيمتين . وكانت الإمبراطورية العثمانية تمثل مركز الثقل الرسمي للمحور الإسلامي بينما يتركز مركز الجبهة المسيحية في أوروبا الشرقية . أما دول أوروبا الغربية والمركزية فقد كانت قد خرجت للتوّ من ظلمة القرون الوسطى وهي الآن في طور الازدهار .

لقد تجلّت الجبهة الإسلامية كأقوى قدرة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بحيث هيمن العثمانيون على البحر المتوسط الذي كان يعتبر هو الأهم استراتيجياً وسياسياً وحضارياً في ذلك الزمان ، وما زال يحتفظ إلى يومنا هذا بجزء كبير من هذه الأهمية . وطالما حوصرت (فينّا) عاصمة النمسا من قبل القوات الإسلامية فيما هدّدت إيطاليا بالسقوط أكثر من مرة .أما أوروبا الشرقية فقد كانت منهارة تماماً أمام القوة العثمانية رغم أنها كانت تمثل في ذلك الوقت الطرف الأموي إذا ما قيست إلى أوروبا الشمالية أو حتى الغربية .

لقد تمكنت الإمبراطورية العثمانية من توحيد مختلف الأقوام والأجناس تحت راية الإسلام وشكلت منها كياناً سياسياً عسكرياً منسجماً ، وأخذت بزمام أمور ذلك الكيان العظيم . لا ينبغي الشك هنا في أن الحكومة العثمانية كانت حكومة فاسدة ولم تكن تليق بحمل وسام الحكومة الإسلامية ، إذا ما قارنّا بمبادئ الإسلام وقيمه الرفيعة ، لكن الأمر يختلف إذا ما كان القياس والمقارنة ينطلقان من منظار كونها دولةً تقف بوجه الاستعمار الغربي والمسيحي الطامع بابتلاع الأمة الإسلامية .والذي وجد الدولة العثمانية سدّاً منيعاً يعترض طريقه و يحول دون تحقيق أطماعه وأمانيه ، بحيث ذاق الأوروبيون هزائم مريرة على أيدي الجيش الإسلامي ما زال طعمها باقيا ً إلى هذا اليوم ،حتى دخلت بطولات المسلمين كقصص و أمثال في الأدب الغربى و احتلت مساحة مهمة من تأريخهم و تراثهم الثقافى و الإجتماعى .

إن إصدارنا للأحكام يتصف دائما ً وللأسف بأنه ينطلق من نظرة أحادية للأمور ، إننا دائماً ننظر للمسائل بعين واحدة ، والباعث على الأسف والدهشة أكثر أننا نعاني جميعاً من هذه المشكلة سواء كنّا متحجّرين ومتطرّفين أو مستنيرين ومنفتحين ! ويمكن القول أن أحكامنا الصادرة بحق الدولة العثمانية مثال بارز لظاهرة التشابه في أنماط التفكير لدى هذين الفريقين المتضادّين .

المتطرف عندنا ينظر إلى الكيان العثماني من موقف شيعي متعصّب فيعتبره بالتالي سُنيّاً عمريّاً منكراً للإمامةومخالفاً لوصيّة النبي وغيرمعتقد بصاحب الزمان ..وفي ضوء ذلك هو مدان ! (حتى في مقابل المسيحية )!

أما الشخصية ذات التوجه المنفتح فإنه ينظر إلى النظام العثماني على أنه نظام إقطاعي منحطّ وطائفي لا يؤمن بالديمقراطية ، فهو أيضاً مدان (حتى في مقابل الغرب ) ! بوسعنا أن نقول أن كلا الفريقين صائب في نظرته ومحقّ في توجيه الانتقاد ، لكن الخطأ يكمن في أن كلا الطرفين ينظر إلى القضية من زاوية ثابتة ومطلقة ، في حال أن من شروط النظرة العلمية الصحيحة أن تكون شاملة ومتعددة الزوايا والأبعاد وذات طابع نسبي ، خلافاً للعوام الذين يميلون عادةً إلى تعميم الأحكام و إضفاء صفة الجزم عليها .

نعم ! إن النظام العثماني نظام سنّي وغير ديمقراطي وهو فاسد من الناحية الأخلاقية . ولكن إذا تجاوزنا قضية كوننا شيعة أو مؤمنين بالاشتراكية ، فاعتبره الشيعي نظاماً إسلامياً يقف بوجه المدّ المسيحي واعتبره المستنير سدّاً منيعاً بوجه الغزو الاستعماري الغربي الذي يهدّد وجودنا كشرقيين ، فان الحكم عليه ربما سيختلف آنذاك ! من تلك الزاوية سوف يتمنى الشيعي أن يظهر صلاح الدين الأيوبي –المناوئ للشيعة – مرة أخرى في فلسطين ، ويجرّد خالد بن الوليد سيفه للهجوم على عساكر الروم ، وسيتمنّى أن يُبعث السلاجقة من جديد ليلقوا بجحافل الصليبية في عرض البحر المتوسط ، وان ينهض العثمانيون ليطردوا الأجانب الغربيين من أراضي المسلمين في آسيا وأفريقيا .


إن هذه الحملات الإعلامية المسعورة ضد العثمانيين إنما تعكس وجود عقد قديمة في نفوس المسيحيين والغربيين من الدولة العثمانية ، وهي رد فعل متوقع حيال الجروح العميقة التي خلّفها العثمانيون في الجسد الأوروبي إبان الحروب الطاحنة التي خاضوها معهم .

لقد دأبت شخصيّاتنا المستنيرة – للأسف- على محاكاة علماء الغرب وكتابه ومثقّفيه في إصدار لأحكام غير المنصفة –سياسياً واجتماعياً- بديننا وحضارتنا ورموزنا التاريخية ، وبالتالي ردّدوا نفس التهم التي ألصقها أولئك بالدولة العثمانية بدوافع مغرضة في الغالب أو ناجمة عن تعصّب وحقد .

إن النزاع العثماني _الغربي هو في أفقه الأوسع يعكس واقع النزاع بين قوّتي الإسلامية والمسيحية في عالم القرون (15و16و17و18 إلى 19).

آنذاك كان التقدم على جميع الجبهات لصالح المعسكر العثماني ، وليس للمعسكر الغربي إلاّ التراجع والانسحاب من أراضيه وهو يرى أن الخطر يحدق بكيانه الديني والحضاري من جانب واحد هو جبهة المسلمين !


لحظة الهجوم الغادر!

وبينما كان العثمانيون منهمكين في دحر القوات الغربية وتحقيق الانتصارات المتوالية ، إذا بقوة جديدة تظهر على حدودهم الشرقية وتباغتهم من الخلف ؛ ثورة في إيران يقودها رجل من سلالة الشيخ صفي الدين الأردبيلي أحد أقطاب التصوف . واستطاعت هذه الثورة تأجيج الغضب والسخط والأحقاد التي ظلت تغلي في نفوس الناس لمدة عشرة قرون حيال جور السلطات ، وتوظيفها في خدمة الهدف السياسي الذي تصبو إليه .

لقد تمكن قادة هذه الثورة من أن يشخّصوا هذا الأمر بدقة فنفذوا من خلاله إلى أعماق الوجدان الشيعي وتغلغلوا في أوساط المجتمع الشيعي ليشيّدوا نظامهم السياسي على دعائم وجدانيّة وعقائدية لأبناء ذلك المجتمع . ومن هنا نرى أن الحكومة الصفويّة هي الحكومة الوحيدة في تاريخ إيران ما بعد الإسلام التي استطاعت أن تمتدّ بجذورها الى عمق الوجدان الشعبي ، ما جعل للشاه عباس وهو من متأخري سلاطين الصفويّة ، مكانة خاصة في نفس الشيعة العوام حوّلته إلى شخصية أسطورية في مستوى الاسكندر والخضر ، مما يؤكد الدور البالغ الذي يلعبه الإعلام في فرض قناعات وطمس أخرى .

في تلك الحقبة الزمنية حصل تنفيس عن عقد كثيرة ؛ وقد جاء في نسخة مخطوطة في مكتبة البرلمان أنه في مطلع العهد الصفوي كان ( القزلباشية)الصفوية يجوبون شوارع وأزقة المدن وهم يصيحون بصوت واحد : اللعنة على أبي بكر ، اللعنة على عمر ، وكان يتعيّن على المارّة أن يردّدوا هذا الشعار معهم ، وكل من يتردّد في ذلك سيغرز الحراس حرابهم في صدره لإخراجه من حالة الشك والتردّد .الآن ، لا شك أننا نرفض هذا العمل ونعتبره وحشيّاً وإرهابيا ، ولكنه من الناحية الإعلامية


كان له أثر لا يقبل الإنكار في نفسية الشيعة المعبّأة بالعقد ، وهو بالحقيقة يمثل رد فعل طبيعي على الطعنات والمظالم التي تعرضوا لها طوال التاريخ ، والآن تأتي السلالة الصفوية شاهرة سيفها وهي تنادي بالثأر من السنّة والانتقام لظلامة أهل البيت وشهداء الشيعة ، فما ظنّك بعوام الناس من الشيعة والذين لا يمتلكون عادة القدرة على تحليل المسائل الفكرية والتاريخية والعقائدية بعمق ودراية ، ولا يدركون أن هذا البقال أو العطار السنّي لم يتورط في إحداث السقيفة ولم يشهد كربلاء ،

هذا الجهل والتعصب الطائفي كانت القوى السياسية والدينية الرسمية تستثمره في تحقيق أهدافها وتمرير مخططاتها وذلك عن طريق سحب الاختلاف العقائدي من دائرة أهل الخبرة والتخصص إلى دائرة العوام ليتحول من خلاف فكري إلى خصومة واختلاف بين الترك والفرس والعرب والعجم والمسلمين والهندوس وغير ذلك .

إن الخلاف بين الشيعة والسنّة هو في الأساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الإسلام ،وكل ما يدّعيه الشيعة في هذا المجال –وهو ادعاء وجيه – أنه ينبغي لمعرفة حقيقة الإسلام الاقتداء بأهل بيت النبي وعلي (ع) لأجل أن تكون المعرفة مباشرة ومن دون واسطة ،وهذا بحد ذاته كلام معقول ، كما يدّعي الشيعة أن مواصلة طريق الرسالة وروحها بعد النبي مرهونة باتباع علي (ع) والاعتراف به خليفة بعد النبي دون غيره ممّن عجزوا عن مواصلة الرسالة بروحها حتى آل أمر المسلمين إلى ما آل إليه مما يعرفه الجميع . وهذا أيضاً كلام معقول ، غير أن هذا المعقول أصبح في زماننا هذا لعبة بيد قوتين سياسيتين متشابهتين ومتخالفتين في آن واحد وهما الدولة الصفوية والدولة العثمانية ، وتحول بالتالي إلى أداة لزرع الأحقاد بين رعايا الدولتين والى درجة تثير السخرية .

وانعكس بشكل بارز على شكل تهم وافتراءات وسباب وشتائم يأنف عنها أي إنسان فضلاً عن الإنسان المعتقد بعليّ وبإسلام علي الذي وضع ضوابط أخلاقية رفيعة لأساليب الاحتجاج والمناقشة ومنع من اتباع هذه الأساليب المستهجنة في الدفاع عن المبدأ وإثبات حقانيته وبذلك أصبح سائغاً جداً لدى الشيعي الإيراني أن يدع التركيز على الفضائل الأخلاقية والإنسانية لعليّ ويغفل الإشارة إلى المزايا الاجتماعية الفريدة لمبدأ الإمامة كنظام الهي لقيادة المجتمع ، ويقتصر على اللجوء الى التنفيس عن عقده وأحقاده بلغة سوقية وألفاظ مبتذلة وافتراءات وأقاويل مقززة بحق الخلفاء ، ويعمد الى اختلاق فضائل وكرامات فارغة للأئمة توجب استغفال عقول الناس وتخديرهم ، وتحول دون تمكينهم من معرفة عليّ حقّ معرفته ، وتبقيهم أسرى لأغلال الجهل والمذلّة ، وتشغلهم بذم الخلفاء عن ذم سلاطين الصفوية وانتقاد أعمالهم التي هي -بلا شك – أسوأ بكثير .

وهنا يكمن السر في عدم تطرق علماء الصفوية وخطبائها إلى الحديث عن شكل حكومة عليّ وطريقة كلامه ، وطريقة سكوته ، متى يتصدى ومتى ينزوي ويعتزل العمل ، كيف يعمل وكيف يفكر ، ما هي علاقته بالناس ، موقفه حيال الظلم ومواقفه من التملق والتزوير والفقر والسرقة واغتصاب الحقوق وإثارة الفتنة، وبدلاً من ذلك يؤلفون المئات من الخطب والمجالس وينشدون الأشعار وينقلون القصص والحكايات في أن علياًّ تمكّن من تحويل الرجل المنافق إلى كلب – على الفور-.وحوّل الآخر بنفخة واحدة إلى امرأة تزوجت وأنجبت لزوجها عدة أولاد وسكنت معه تحت سقف واحد لسنوات مديدة ومن ثم عادت إلى حالتها الأولى ؛ كلّ ذلك في طرفة عين !!


هذا الكتاب كان في الأصل محاضرة ألقاها د. شريعتي في حسينية الإرشاد بطهران عام 1971 ، ولا شك أن أسلوب الخطابة يختلف جذرياً عن أسلوب الكتابة ، وكذلك بسبب الترجمة من الفارسية بقيت لغة الكتاب غير سهلة دائماً .





أفراد عشيرة اعتمد عليها الصفويون في إحكام سيطرتهم على إيران .


القرآن الكريم يأمر النبي صراحة بالترفع عن سبّ حتى المشركين ، قال تعالى :"ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله " . سورة الأنعام ، الآية 108.

كما أن القرآن الناطق المتمثل بشخصية علي (ع) ينهى عن السباب والشتيمة معتبراً أن الكلام الفاحش يعبّر عن هبوط شخصية المتكلم قبل السامع ، قال علي لأصحابه في حرب صفين (( إني أكره لكم أن تكونوا سبابين)). =

غير أن السباب والشتيمة يمثلان الشكل الأول من أشكال الاستدلال في منطق التشيع الصفوي ،الذي يحاول من جهة أخرى أن يتقمص ثوب التشيّع العلوي فيضطر أحياناً إلى التأويل الذي قد يصل إلى درجة قلب الحقائق ونفي الثابت وإثبات المنفي كما وقع في ذلك مترجم كتاب نهج البلاغة الى الفارسية -وقد تورط الرجل في ترجمة هذا الكتاب ، لأن التشيع الصفوي يحذر كثيراً من الاقتراب من نهج البلاغة وذلك أن قرّاءة هذا الكتاب تبدّد الصورة التي رسمها التشيّع الصفوي لعليّ في أذهان العامة وتحبط كل مخططاتهم في ترسيخ تصوّر مشوّه عن المذهب العلوي الأصيل – على أية حال فقد كان المترجم يلجأ أحياناً الى تأويل بعض النصوص التي يرى أن ترجمتها بشكل طبيعي لا تتسق مع ما هو سائد من النمط الفكري للتشيّع الصفوي ليمرّر ذلك على الناطقين باللغة الفارسية والمحرومين من معرفة زلال نهج البلاغة الذي وصفه المترجم –بحق- بأنه طريق النجاة لعالمنا المعاصر ،وطالب بأن يقرأه الملوك والوزراء ورجال السياسة وأعضاء مجلس النواب ومجلس الأعيان وكل عمدة مدينة وكبار قادة الجيش والضباط والمراتب والجنود ، والظالم والمظلوم والغني والفقير لكي يعرف كل منهم ما للظلم من عقوبة وما للصبر من ثواب ويحصلون فيه على كل ما يريدون !

هذا الرجل عندما وصل الى مقولة عليّ لأصحابه (( إني أكره لكم أن تكونوا سبابين )) ووجد أنها لا تنسجم مع التوجه العام لدى علماء التشيّع الصفوي لجأ كالعادة الى التأويل وهي الحرفة التي تتجلى فيها المهارة الفائقة للتشيّع العلوي وتجريدها من مضمونها الحقيقي ، فقال فضيلة المترجم :

( ليس المراد من هذه العبارة هو عدم جواز شتم المخالف واللعن عليه بل على العكس هذا واجب وتكليف ، غير أنّ المنع جاء هنا من أمير المؤمنين بخصوص سب بني أميّة وذلك خشية أن يسبّوا بالمقابل أمير المؤمنين فيكون السابّ لبني أميّة متسّبباً في سبّ أمير المؤمنين (ع) وهو أمر غير جائز !طبعاً) . نهج البلاغة ، ترجمة فيض الإسلام .

(شريعتى ) : لاحظوا هنا كيف حوّل المترجم كلام أمير المؤمنين الى قاعدة مقلوبة ،ومفادها أنه لا يجوز السبّ إلاّ إذا كان الطرف المقابل مؤدبّاً لا يردّ بنفس الطريقة !!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان