بوبير باختصار .

"بدأ كارل بوبر بالشك بادعاءات كل من المدرسة الماركسية والمدرسة الفرويدية على أنهما ينتميان للعلوم التجريبية، حيث أنه لاحظ أن كل تلك النظريات في ما عدا النظرية النسبية الخاصة كلها كانت أقرب للأساطير منها للعلم التجريبي، وهي أقرب لمبادئ للتنجيم أو الأبراج منها لمبادئ
الفلك. المشكلة في تلك النظريات هي قدرتها المبهرة على تفسير الأشياء لصالحها، أي أن لديها القدرة على تفسير أي ظاهرة في مجال اختصاصها، فتخيل لو أنك كنت تتبنى نظرية كارل ماركس وكنت تقرأ الجريدة الآن لفسرت جميع الأمور من خلال النظرية بلا أدنى تردد، ولو أنك كنت تتبنى نظريات فرويد والذي قال: “إني وجدت في نفسي حبا دائما لأمي وغيرة من أبي، وإني أجد تلك ظاهرة عالمية في الطفولة”، لقلت أن كل حالة نفسية هي نابعة من حب الإنسان لأمه وغيرته من أبيه، حدد المدرسة التي تنتمي لها وسترى نفسك تفسر الأمور بعيون تلك المدرسة، كل شيء بالنسبة لك يبدو وكأن له تفسيرا منطقيا وواضحا.

لأضرب مثالا آخرا، لنفترض أنني أقول لك أن أي عمل - بلا استثناء – يقوم به أي شخص إنما هو نابع من حب الذات، فليس هناك أي عمل يمكنك القيام به لا تنطبق عليه هذه النظرية، فترد علي لتدحض الفكرة: “أنا أقدم الصدقة، فلو أن الصدقة نابعة من حبي لنفسي لفضلت أن أحتفظ بالمال لنفسي” فأرد عليك بالقول أن بسبب حبك لنفسك فإن الصدقة هذه كانت لأنك تريد الحصول على الحسنات، ولذلك أنت تصدقت، فتقول لي: “لو قلت لك أنني أتصدق من غير أي مقابل، فلا أريد أن أجازى، إنما هي لوجه الله،” فسأرد عليك بأنه حتى لو دفعت الصدقة من هذا الباب إنما هي تشعرك بالسعادة والطمأنينة لأنك ترضي الله، وهكذا حتى لو ذكرت لي الأم التي تضحي وتقوم في منتصف الليل لإرضاع طفلها بالرغم من أن ذلك يضنيها ويتعبها نفسيا، فأقول لك أن قيامها مدفوع بحاجتها للتخلص من الحليب الذي يملأ ثديها، أو أنها تقوم حتى توقف الشعور بالذنب أن طفلا رضيعا بحاجة ماسة للرضاعة ولم ترضعه، أو تقوم لأنها تحب طفلها، وذلك يشعرها بالسعادة.

إذن، أنا أنتمي إلى مدرسة حب الذاب، وأرى كل شيء بعيون هذه المدرسة، ليست هناك أي طريقة يمكن فيها دحض نظرية حب الذات، بل بالعكس كل تجربة تحقق (Verify) وتؤكد على صحة النظرية هذه، ولا يمكن تفنيدها بأي وسيلة، وأضف لذلك أن أي شخص يعترض على هذه النظرية إنما هو شخص لا يريد أن يعرف الحقيقة، والسبب الوحيد لأي شخص أن يعترض على هذه النظرية إنما اعتراضه نابع من عدم إنتمائه لهذه المدرسة، أو أن الاعتراض يحتاج للتحليل لاكتشاف الخلل فيه، وليس في النظرية.

يذكر كارل بوبر نقاشا دار بينه وبين الدكتور في العلاج النفسي آلفريد آدلر (Alfred Adler)، آدلر أنشأ مبدأ سيكولوجية الفرد (Individual Pscychology)، أتى بوبر إلى آدلر وشرح له حالة لطفل لم تبدو لبوبر على أنها تتماشى مع المبادئ التي أسس لها آدلر، فقام آدلر بتفسير حالة الطفل من خلال نظرية عقدة النقص، وتخيل أن آدلر قضى وقته في تفسير الحالة السيكلوجية للطفل من غير أن يراه، فصُدم بوبر لذلك، وسأله كيف يمكن له أن يثق بما قاله، فرد عليه آدلر: “بسبب تجربتي المضاعفة بقدر ألف مرة”، فرد عليه كارل بوبر: “وأعتقد أن مع هذه الحالة الجديدة تجربتك تضاعفت ألف وواحد مرة.” رد جميل ومنطقي من بوبر.

ومن هذه الإنطلاقة، وبما أن كل شيء يصب في صالح النظريات، وكل شيء يؤكد على صحة كل من تلك النظريات، والتي ربما يعتبرها البعض مصدر قوة لها، اتضح لكارل بوبر أن مصدر القوة ليس إلا ضعفا فيها، وبدا له أن نظرية آينشتين تختلف عن باقي النظريات، ولكن ما هو هذا الاختلاف؟ قبل فترة وجيزة (بالنسبة للفترة التي عاش فيها كارل بوبر) قام السير آرثر أدينجتون بتأكيد صحة نظرية النسبية العامة لآينشتين، نظرية آينشتين تنبأت بشيء وفعلا ثبت للسير آرثر أدينجتون صحة التنبؤ، كانت هناك درجة عالية من الخطورة في هذا النوع من التنبؤ، لو أن الملاحظة لم تتطابق مع التنبؤ فكان بالإمكان القول أن النظرية غير متوافقة مع بعض نتائج الملاحظة المحددة، كان بالإمكان رفض النظرية، وهذا يختلف تماما من النظريات الأخرى، تلك النظريات متوافقة مع أغلب السلوكيات البشرية حتى المتباينة منها، ولم يكن بالإمكان وصف أي سلوك إنساني لا يحقق النظرية.

وهكذا توصل كارل لعدة نتائج لتفريق العلم التجريبي من شبه العلم، وهو أنه بدلا من البحث عن شيء يؤكد النظرية لابد أن تكون النظرية قابلة للدحض، أي لو أن النظرية تنبأت بشيء معين دقيق وخالفت التجربة هذا التنبؤ، يمكن عندها إلغاء النظرية، فمثلا التنجيم أو علم الأبراج، لم يجتز اختبار التكذيب أو الدحض، المنجمين أعجبوا كثيرا بالأدلة التأكيدية التي تبين قدرة الأبراج على التنبؤ، ولكن هذا الاعتقاد مضلل، أضف لذلك أن التنبؤات التي يتنبأ بها المنجمون دائما ما تكون غامضة ومبهمة لدرجة أنه بإمكانهم تفسير أي شيء مخالف لنظرياتهم لصالحهم، فقد جعلوا لأنفسم متسعا للتفسير، وحتى يهربوا من دحض النظرية دمروا أي طريقة لاختبارها.

وهنا أيضا شمل كارل بوبر النظرية الماركسية ، حيث كان بالإمكان اختبار النظرية، ولكن يبدو أن بعد أن فشلت النظرية بتفسير بعض الأشياء، أصر معتنقيها على تغيير تفسير النظرية والأدلة حتى يتوافق كل منهما، فأنقذوا النظرية من النقض، وبذلك تبنوا آلة لا يمكن نقضها، وبهذه الحيلة دمروا الدعاية التي تقول أن النظرية الماركسية هي علم، أما بالنسبة لفرويد وآدلر، فلم تكن هناك طريقة لاختبارهما ومن ثم إيجاد طريقة لتكذيبهما، وكل الملاحظات كانت تؤكد صحة النظريات تلك كما في التنجيم.

بالطبع أن تلك النظريات كانت فيها أفكار جيدة، وصحيح أنها كانت غير قابلة للاختبار، ولكن كانت إنطلاقة لأفكار أخرى مفيدة. علم النفس اليوم يعتبر في الكثير من جوانبه علما تجريبيا، فهو يقوم بدراسات ميدانية، ويقوم بعمليات إحصائية دقيقة، ولذلك هو يختلف عن المدرسة الفرويدية (إن صح التعبير).

كارل بوبر لا يدعو الناس للتخلي عن كل ما لا يمكن دحضه، إنما كان يريد أن يجعل خطا فاصلا بين العلم التجريبي (Science) وأشباه العلوم (Pseudo-science)، حتى أن الفلسفة التي استخدم أدواتها المنهجية لا تدخل في حقل العلم التجريبي، إذن حتى الفلسفة لم تدخل إلى الخط الفاصل بين العلم وشبه العلم."


منقول
مصطفى الصوفي
مغامرة العقل .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان