الثورة الاجتماعية ثورة لا تحتاج الى العنف...

لا يعاني الانسان في عالمنا هذا بسبب سياسيين سيئين او حكومات فاسدة او سياسات خاطئة او بنوك ورجال اعمال جشعين. هؤلاء السياسيين و رجال الاعمال لم ياتوا من الفضاء الخارجي ليفرضوا ارادتهم علينا بل انهم نتاج النظام الاجتماعي و الاقتصادي القائم وهم ضحايا هذا النظام مثلهم مثل اي انسان اخر تحتم عليه ان يعيش في عالمنا هذا.


اذن هي قوانين اللعبة الاجتماعية التي تحول البشر الى قاتل ومقتول وحاكم و محكوم وسارق ومسروق واذا اردنا تغيير شئ ما فان قوانين اللعبة والتي نسميها النظام الاجتماعي والاقتصادي هي التي يجب ان تتغير. علينا اقامة نظام اجتماعي جديد وليس هدر الوقت و الجهود في القاء اللائمة لمعاناتنا على السياسيين ورجال الاعمال. فلا الحاكم ولا الراسمالي ولا العامل البروليتاري و لا الفلاح ولا الكاتب الصحفي ولا اي انسان اخر قد اختار ان يكون ما هو كائن عليه. بل اننا جميعا نتاج لواقع ورثناه و انتجناه و اورثناه وبنيناه معا.

ان الدعوه الى تغيير الحكام ومحاولة معالجة المشاكل بالسياسات و عبر السياسيين اي كانوا لا يؤدي سوى الى استمرار المعانات وانتاج المزيد من السياسيين ورجال الاعمال الفاسدين. وفي نهاية المطاف سيكون علينا ان نفعل الشئ الصحيح الوحيد الا وهي الثورة الاجتماعية لازالة النظام الاجتماعي الراسمالي القائم واقامة نظام اجتماعي جديد.

الراسمالية ونظامها ليست ارادة خارجية مفروضة على المجتمع, بل انها عقد اجتماعي وطريقة للحياة تربينا عليها عبر اجيال عديدة. لقد تعلمنا منذ نعومة اضفارنا على ان السرقة عمل سئ يعاقب عليه القانون وان الشرطة والقانون والسجون هي في خدمة المجتمع وان الملكية مقدسة والعمل مقدس وان علينا ان نعيش من عرق جبيننا. لقد ذهبنا الى المدارس للحصول على وضيفة جيدة ودخل جيد وعمل نضيف. وهكذا تعلمنا منذ الصغر كيف سنحمي ونراعي النظام الاجتماعي القائم ونلعب دورا جيدا فيه. هذا هو العقد الاجتماعي والقيم الاجتماعية السائدة. انه اتفاق جماعي اجتماعي على طريقة للعيش وقد تمت برمجتنا وترويضنا عليه جيل بعد جيل ليس من قوى ظلاميه خارجيه او عدو مسلح جشع وانما من قبل ثقافة سائدة لمجتمع لايعرف طريقة اخرى للحياة.

ان تصبح لصا مجرما او شرطيا, بلطجي او ثوري, عامل او راسمالي, موضف حكومي او رئيس جمهورية, صاحب بنك او فلاح الخ... كل هذه ادوار مختلفة لبشر حملتهم ضروفهم الى ان يصبحوا ما هم عليه. وهؤلاء ليسوا سوى نتائج وتحصيل حاصل لاليات و عمل و طبيعة النظام الاجتماعي.

ويبدو ان المشكلة تبدا عندما يفشل النظام الاجتماعي السائد عن تحقيق الرفاهية بل و حتى توفير لقمة العيش والحياة الكريمة لملايين البشر. حيث جرت العادة ان تلجا الشعوب الى الثورة ظد احوالها المزرية. وفي العادة تخرج الجماهير الى الشوارع للدعوة الى الاطاحة بالاسياد الحاليين والتهليل لقيام سيادة جديدة. فهم يتحررون من السادة الحاليين ويبحثون عن اسياد جدد ليقدموا حريتهم اليهم حماية للعقد الاجتماعي الذي يحمل قدسية سماوية لا يقبل التدنيس .

ومثل هذه الثورات التي تريد اعادة توزيع السلطات والثروات والادوار داخل النظام الاجتماعي بدلا من تغيير النظام الاجتماعي نفسه تحتاج في معضم الحالات الى العنف وحتى الى استخدام السلاح وسفك الدماء لتحقيقها لانها صراع داخلي على السلطة و الثروات. اما الثورة الاجتماعية لتغيير البنية الاجتماعية فهي تنطلق من وعي وادراك اجتماعي ودراية للاغلبية بضرورة اقامة عقد اجتماعي جديد ونظام اجتماعي وطريقة جديدة للحياة. وعندما يرفض معظم افراد مجتمع ما طريقة الحياة القائمة ويحطمون كل الاصنام والمقدسات بضرورة احترام العمل والملكية والقانون و الشرطة والدولة. ويرفضون العقد الاجتماعي القائم

. ويفسخونه ينهار النظام القائم ولا يستطيع المدافعين عن العقد القائم ان يقفوا ضد تغييرها

الثورة الاجماعية هي ثورة جماهير غفيرة تدعوا الى اقامة طريقة اخرى للحياة تحقق الرفاهية للجميع بدون استثناء. هذه الثورة لايمكن لها ان تكون عنيفة. ومهما اشتدت همجية السلطة القائمة فانها لا تستطيع سحقها واغراقها بالدماء لان الثورة ليست ضد مصالح اي طرف بعينه. وهي ولانها تستند الى اقامة طريقة افضل للحياة لكل انسان تكسب الى جانبها تعاطف حتى اعدائها اللدودين لانها لاتنفي حقهم في حياة كريمة بل تعززها. على خلاف الثورات السياسية التي تدمر مصالح الحكام القائمين والطبقات المنتفعة. لمصلحة الحكام والمنتفعين القادمين.

ما هي العوائق اذن امام الثورة والتغيير الاجتماعي؟

الامر الوحيد الذي يقف حائلا دون قيام الثورة الاجتماعية فورا هو اننا بحاجة الى وعي جديد وطريقة جديدة في التفكير تنتشر بين ملايين البشر. فالثورة في اصولها وبداياتها هي ثورة في الفكر والوعي الانساني. هذا التحول في الفكر والوعي الانساني يتولد وينمو داخل رحم النظام الاجتماعي القائم حيث تتوفر الارضية المادية لها للخروج من عمق المجتمع ومن خلال نظال البشر لتحرير انفسهم. ففي عالمنا الحالي لم يعد مقنعا ومقبولا بعد الان لماذا يجب علينا ان نجوع ونحن نملك تكنلوجيا انتاجية تستطيع ان توفر الغذاء لكل انسان. ولماذا لا يكون لكل انسان منزل يليق به ونحن نستطيع بناء منزل لكل انسان. ولماذا علينا ان نعمل كل هذه الساعات الطويلة ونحن بمقدورنا الاستعاضة عن عملنا بالالة. لماذا علينا ان نعيش في مدن من الخرسانة والاسمنت وندمر البيئة ونفسد الهواء بدلا من اعادة الخضار الى الطبيعة والحياة خارج هذه الصناديق الاسمنتية التي لا تليق بالحياة. ولماذا علينا ان نعيش في دول ونحارب ونقتل بعضنا البعض للسيطرة على الموارد التي يحتاجها كل البشرللبقاء على قيد الحياة. لماذا لانعلن بدلا من ذلك ان الانسان كائن ونوع واحد, وان الارض وطنه, وان كل الموارد والممتلكات التي عليها هي ارث مشترك لجميع البشر. هذه هي ارضية نشؤ وانتشار الوعي الجديد بضرورة اقامة عقد اجتماعي جديد وهذا هو مصدر ولادة العقد الاجتماعي الجديد الذي في طريقه الى الانتشار في كل مكان كالنار في الهشيم.
العقد الاجتماعي الجديد هوالنظام الاجتماعي العالمي للاقتصاد القائم على الموارد الذي يتخذ من حاجات الانسان وتحقيق الرفاهية لكل البشر منطلقا للانتاج. حيث ان الالة والموارد تسخر لتحقيق اقصى قدر من الوفرة تنتفي معها الحاجة الى استخدام النقود والمبادلة النقدية. وبالغاء النقود تزول وسيلة التراكم والثراء والملكية الخاصة والعمل الماجور. ولا تعود هنالك ضرورة لوجود الدولة حيث ان الادارات الذاتية للمنتجين تصدر القرارات على اساس المنطق العلمي وليس الاراء والاعتقادات. وهذه الادارات تنظم شؤنها بان ترتبط ببعضها البعض بالحاسوب المركزي الذي يربط بين حاجات الانسان و مراكز الانتاج التي يتم العمل فيها على الاتمته التدريجية لازالة الحاجة الى العمل البشري شيئا فشيئا.

وعندما تتحقق الوفرة وتزول النقود وكل اشكال التبادل. لايعود هناك خوف من الرشوة او ارضية لظهور بشر يريدون الاستحواذ والسيطرة حيث يتوفر كل ما يحتاجه الانسان مجانا. مثل هذا السلوك الانحرافي هو نتاج مجتمع الندرة القائمة. بل وحتى الجرائم والسجون والقوانين والشرطة لن تعود لها ضرورة للوجود والبقاء.


هنالك فقط بل ومن الممكن فقط ان يكون هنالك اقتصاد عالمي واحد. هذا هو التغيير الممكن والواقعي الوحيد لتحقيق الحرية الحقيقية وكل التغييرات الاخرى ليس سوى دوران في حلقة مفرغة وعبث ومضيعة للوقت حيث لا تؤدي في افضل الاحوال سوى الى تحقيق مكاسب طفيفة هامشية هنا وهناك سرعان ما تذهب ادراج الرياح لنعود الى النقطة ذاتها التي بدانا فيه بالثورة و كنا فيها من قبل وسنظل فيها طالما لم نفسخ هذا العقد الاجتماعي الذي انتهت مدة صلاحيته منذ زمن طويل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان