نظرة الإنسان إلى الحيوان


ورد في سفر إشعياء

(65:25) "الذئب والحمل يرعيان معًا، والأسد يأكل التبن كالبقر، أمّا الحية
فالتراب طعامها لا يؤذون، ولا يهلكون، في كلّ جبل قدسيّ، قال الربّ". وربّما
جاء هذ التوصيف الذي يُعتبر عند المسحيين نبوءة من وحي الله لحالة الفردوس، أيضًا،
صورة للحالة الأولى التي كانت عليها الأرض، بإنسانها وحيوانها، قبل أن يفسدها
الإنسان. وذلك، عطفًا على ما جاء في سفر الجامعة (3: 19-20) "لأنّ ما
يحدث لبني البشر يحدث للبهيمة، وحادثة واحدة لهم، موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة
للكلّ، فليس للإنسان مزية على البهيمة لأنّ كليهما باطل، يذهب كلاهما إلى مكان
واحد، كان كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما".


وقد حدّد القرآن مكانة الحيوان، حتّى أنّ سورًا في القرآن تسمّت بأسماء حيوانات
(النحل، النمل...)،
وقد ورد في سورة النحل "وَالأَنْعَامَ

خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ"(5)
"وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ"(6)،
"وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ
بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"(7)، "وَالْخَيْلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ"(8).
كما أنّ هناك آيات وردت تدعو إلى وجوب الاهتمام بالحيوانات
ورعايتها، فهى مخلوقات عجماء لا يمكنها أن تطلب أكلا أو تنادي على سقيا، ومن هذه
الآيات في سورة طه "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ
لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ
أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى"(53)، "كُلُوا وَارْعَوْا
أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى"(54). وفي سورة
السجدة "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ
الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ
أَفَلَا يُبْصِرُونَ"(27). وفي سورة النازعات "أَخْرَجَ مِنْهَا
مَاءهَا وَمَرْعَاهَا"(31)، "وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا" (32)،
"مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" (33)، فضلاً عن أنّ الرسول رأى في
الحيوان خيرًا، ونفعًا "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"،
"والإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة)...هذا ونهى عن سبّ الحيوان، فقد ورد
"لا تسبّوا الديك، فإنّه يوقظ للصلاة)...


أمّا على
مستوى آخر فما نشوء تيارات تدعو إلى حقوق الحيوان في العالم إلا حرث ارض جديدة في الفلسفة الخلقية عندما خطا إلى ابعد من حدود الجنس البشري (بايرد كاليكوت). وقد نقد (ريتشارد سليفان) البنية الأخلاقية القائمة في مجملها، وبإظهار تعارض هذه البنية مع إمكانية صوغ أخلاق جديدة بيئية من داخلها، باعتبار أنّ نزعة الهيمنة على الطبيعة لاتنسجم مع الأخلاق، ولا يجب أن تُعدّ الطبيعة ملكية حصرية للإنسان. أمّا (بيتر سينغر) فنظر إلى الموضوع من مبدأ المساواة بين الكائنات البشرية، ليس وصفًا للمساواة الفعلية المزعومة بين البشر، باعتباره توجيهًا بالكيفية التي يجب وفاقها معاملة البشر، وهذا الأمر، برأيه، يمهّد الطريق لتوسيع مفهوم المساواة ليشتمل على الكائنات غير البشرية معتمدًا معيار "الإحساسية Sentience"
وليس معيار الذكاء، أو القدرة العقلية، أو اللغة. وإذا ما تعلّق الأمر بقياس من
أقيسة الحقّ فقد انطلق (توم ريغان) من الطروحات المستندة على الفلسفة الكانطية التي تقول بتحريم أذية الحيوان خوفًا من وصول الإنسان إلى أذية البشر، ثم مسألة القسوة التي تتنافى مع طبيعة الأخلاق، ثم النفعية القائمة على مبدأي المساواة والمنفعة،

ليطرح سؤاله "هل للحيوانات الحقّ في عدم الأذى"، وعليه، يفترض أنّ
للكائن البشري نوعًا محدّدًا من القيمة، يسمّيها القيمة الأصلية بمعنى أنّها قيمة
مستقلّة منطقيًا عن كون الفرد ذا قيمة لشخص الآخر، ضدّ المذهب النفعي، باعتبار أن الكائنات لها واقع حيّ وتمتلك حياة، توازيًا مع ما طرحه (بول تايلور) من تنويعات حول هذه النظريات، والذي ارتكز في مسألة أنّ الكائنات الحية هي مراكز غائية للحياة في حدّ ذاتها، لكنّه يعتبر ذلك صفة مانحة للاعتبار الخلقي بقدر ما حاول بناء رؤية نظرية فلسفية قوامها نقد المنطومة المتمركزة بشريًا كنقطة انطلاق نحو الأخلاق لبيئية الجديدة.
(يراجع الفلسفة البيئية؛ من حقوق الإنسان إلى الإيكولوجيا الجذرية، عالم المعرفة (جزءين) العددان 332 - 333).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان