قصة … أنا وصديقي (السنيّ أبو ذيل)بقلم وليد عبد الله

صراع العقائد هي محنة الفقراء والعبيد، وبساحتهم يزهوا المحارب المقدس ينحر قرابينه من اجل لغة مقدسة وتاريخ مريض وأرباب يعشقون الحرب..
هذه القصة عبارة عن حكايات قديمة حدثت لنا في سجون الامن العامة - بغداد في الثمانيات اثناء حكم الدكتاتور صدام..... اهديها لكل الاصدقاء من اجل تنظيف القلوب والعقول من مرض الطائفية .....


حضرت عبارة ابو ذيل وقههة كبيرة معها عندما شاهدتُ صديقي عبد الرحمن بعد فراق 25 عام
في محطة بافلوا في أمريكا. وأنا ذاهب إلى مدينة راجستر لزيارة بعض الأصدقاء، انذهلت عندما شاهدته يجلس بجانبي في المحطة ننتظر أخر باص
قلت له بصوتٍ عالٍ، ودهشة كبيرة : منهو؟ !….عبد الرحمن؟!….. عجيب يارب !.. نظرني باستغراب…: وعليكم السلام من انت أخي؟
قلت : انظر إليّ جيداً….. صرخ وشهق… ياربي وليد صديقي…. احتضنّا بعضنا حد البكاء، جلسنا سوياً ننظر إلى بعضنا بصمتٍ وخجل غريب  بعدك ماتغيّرَتْ ملامحك … هي نفس الدهشة واللهفة.. في غربة السجن أو غربة المهجر
مثل أول مرة التقيت به عندما ادخلوه إلى زنزانتي الانفرادية،………….
بعد ثلاث أشهر وحيداً أكلم نفسي وأحلم وحدي واقرأ الشعر واللطميات … لم أرَ وجه إنسان طوال الوقت سوى حركة أبو بريص و صوت الحشرات، ووقع أقدام الحارس، و نقاط الماء المتساقطة في المرحاض، وأصوات الأبواب عندما ترتجف وتُفتح لأخذ احد السجناء إلى التحقيق
وبعدها نسمع أنينهم المخيف ،أو صوت مفوض الأمن داوود حرية،عندما يأتي موعد الأكل يصيح بأعلى صوته:
إجَه الزَقْنَبُوتْ أبّطنكُم وبطن الخلفوكم.. خونه حقراء مناو......) يرددها فنمد صحن البلاستك لملأه بالشوربة الغريبة العجيبة، التي أسميها: شوربة السلابيح، بيها كائنات تتحرك ،أو أسميها:مرقه هواء..
دخل عبد الرحمن مرتبكاً: السلام عليكم أخي الكريم ،اندهشت و فرحت كثيراً أخيراً جاء إنسان أتحدث معه… وراح نبكي سوه ونحلم سوه ونُصبّر بعضنا على الضَيم والتعذيب…. يالها من فرحة عظيمة  الحمد لله هذا تفسير وبشارة حلمي الأخير بالإمام الكاظم باب الحوائج ……. هله هله و مرحبا…. هله بعد أخوك
- وأنا اردد :عليكم السلام أهلاً وسهلاً خوية هله بيك
قال: أريد.. ماء.. ماء ..رجاءاً.. راح اموت من العطش
-قلتها بحرقة أهل الجنوب المعدان: عمت عيني عليك خوية... وتساقطت دموعي قبل أن يشرب الماء
قال لي: أريد أن أصلي، أجبته: صدك جذب هو احنه ليش اجينه غير علمود الصلاة…. صلي خويه… تقبل الله، وصلاة مقبولة مقدما
- هذا الحمام أمامك نظيف وطاهر..…..و كان الحمام عبارة عن سقف مراحيض صغير، وحنفية ماء صدئه مع قوطية فافون لحليب كيكوز مثقوبة ….
يقع المرحاض في الركن الأيمن من الزنزانة المستطيلة، وبحجم صغير وبابه مغطاة ببطانية عسكرية خضراء مثقوبة من كل الجهات…. حتى إنها لاتستر عوراتنا ونسمع كل سيمفونيات المرحاض الرائعة، وروائح بقايا شوربة طلال العطرة ....
المهم....
توضأ صديقي الجديد بطريقة أهل السنّة.. انصدمت! ، وتعجبت واشتغل تفكيري بسرعة: شنهو؟ … ليش؟…الموضوع مو خالي!… ارتجفت قليلا ،وخِفت وفكرت بسرعة هائلة….. ربما جاسوس يريد أن يسرق معلومات مني؟، أو بعثوه حتى يقتلني ؟آلاف الأسئلة حضرت بسرعة .. بسرعة هائلة….لا بس هو مبيّن فقير، وأنا شنهو عندي من معلومات… وإذا يريدون قتلي منين يخافون ؟..وووووو.وتقريبا التحقيق مخلص وانتظر التوقيع على أقوالي …وهاي فكرة القتل سخيفة جداً …. بس يراودني احساس مربك وروح المؤامرة المدفونه اشتعلت في ذاكرتي المضطهدة تطلع وتطب… المهم انا مسكت نفسي وتماسكت بقوة رغم هذا كنت حذراً، وكان حذري عقائدي اكثر منه تجسسي...
انتهى من صلاته،ومد سبابته في نهاية الصلاة... كأنه يسبني ويلعنني وهو ينظر إليّ بريبه .. قلت له: تقبل الله أخي..  جلسنا سوياً قلت له: هل أنت جوعان؟.. عندي شوربة طيبه كلّش…. كلهة فيتامين ونعمة من الله  أجابني بصوتٍ خشن: شكرا ليس جائعاً بس اشويه أرجف ،لأن الجو بارد هنا عدكم اشويه
….انا عادةً أقول (خويه)، جنوبية بصدق بس بدأت استعمل كلمة(أخي) هواي وياه.. المهم .. لاتخاف انته على كيفك ويه نفسك .. تره الجو حار جداً ، بس انته مضطرب اشويه وهذا شي طبيعي
وكلنا في البداية نخاف وبمرور الوقت يتعلّم جلدنا…..هههههههههههههه
أو بالحقيقة يندبغ الجلد، وبعد ذلك كل شي سيكون طبيعي، وتقطّعت ضحكتي اشويه من الخجل ،لأني شفته كلّش عكره… وميضحك اشويه خجلت…عندما سمعت أصوات أقدام السجّان تقترب، صَمَتْنا، وترقبنا الي أين يتجه السجّان
قال: لا أخي هم قالوا خمس دقائق وترجع لأهلك،وإن شاء الله أرجع قريباً انفتحت الأبواب واقترب السجّان من زنزانتنا، ونادي عليه.
أخذوا عبد الرحمن معهم هو يرتجف ،وقلت في نفسي: كذلك قالوا لي خمس دقائق وترجع لأهلك،وصار سنة بهاي الحفرة،بس يمكن ترجع مو علمود الله يحبك بس لانك من مذهبهم ا ل...
في منتصف الليل جاءوا به مسلوخ الجلد والأظافر والدم يسيل من فمه وعيونه وأنفه، وأقدامه متورمة … كل جسده تعرض للضرب والجلد
ركضت نحوه، سحبته الى البطانية الخضراء العسكرية هي الوحيدة تُستخدم كفراش النوم والغطاء…وكان يصرخ ويتألم بشكل مخيف... ياربي … ياامي…. راح أموت….ويتشاهد: يالله ..اشهد أن لا الله إلا الله واشهد إن محمداً رسول الله….. انا قلت اله: هسه أنت جاي أتموت كملهة واشهد أن علياً ولي الله…… شجاك؟!…. بس…. ماعرف مو وكتهة.. هسه
بكيت عليه حد الصراخ وانا اردد أين ألرحمة ياربي؟! .....ظَلَمة خونة...كفّار... جلادين….. حقراء… ماكو رحمة
نزعتُ ملابسه كلهة ..كانت مغطاة بالماء والدم.. ولازكة على جسده، ومزقتُها ومسحتُ الدم وغسلتُ وجهه وعيونه…..ومسحتُ خشمه من الدم والأشياء الأخرى...
هذه أول مرة أشوف واحد من غير عقيدتي يتعذب معي في زنزانة واحدة… رغم الألم في قلبي ،قلت: بيها فرج على قول أمي الحبيبة…..
أصبح عبد الرحمن يتنفس بصعوبة، وكأنه يختنق،ويرتجف بقوة خفتُ عليه من الاختناق فرفعتُ رأسه للأعلى
قلت: ياعليّ أبو الحسن مولاي!.. أحضرنا ….راح يموت الولد…. احضر ياعلي مولاي…. أبو الزهرة علي… أبو الحسن والحسين…. مولاي راح يموت… بس بالغت هواي بالسالفة علمود هو من غير مذهب ،وبلكي يصحوا… وتصير معجزة وانا أيصير اليّة اجر وثواب بهذا المسكين الضال المضل
قال لي بصوت متكسّر، وصرخ بوجهي بشكلٍ متقطّع وَحد الله يارجل هذا شرك !… روافض!.. متصير الكم جاره ،لا والله!.. مو ثبرتني ثبر وانا مابيه حيل ارد عليك
قلت: لا اله الا الله... محمد رسول الله... علي ولي الله.. وافلح من صلي على محمد وال محمد……. واخو زينب والله لو ماتتألم ،كان رديت عليك ياناصبي ياملعون دنيا وآخرة.. أصلكم نجس..... وهابي…..فوكاها؟!…….
المهم تجاوزتُ الموضوع،لان هو الولد منتهي تقريباً ومابيه أي نفس … قلت في نفسي: مو وقتهة هسه عيب
وبدلت ملابسه بقطع ملابس قديمة عندي من سجناء ذهبوا إلى العالم الأخر.
نام عبد الرحمن وهو يئن ويتألم بمرارة كبيرة وبقيت بجانبه حتى الصباح…. غفوت قليلاً بعدها فُتحت الأبواب لاستلام الطعام،
كان عبد الرحمن متورم ،كل قطعه في جسده بيهة اثر.....وتحول لونه إلى الأزرق، والأخضر، والأصفر.. والوردي…حتى الأسود سلام الله على العلم الأسود  بقيت بجانبه أسبوع كامل حتى استطاع أن يقف على قدميه...
شكرني ودعا لي ثم صلينا سوياً... بس اترجّاني أن أصلي بصمت.... وانا كل ما أصل لأسم الأمام أعلّي صوتي.

ابتدأت حواراتنا في العقائد لمدة خمسة أشهر متواصلة بلا كلل أو ملل، ومعاركنا متواصلة ، وخاصةً إذا كان جسدينا معافى وصحتنة زينه، في هذا الوقت كان يشتد النقاش والعراك ، وفي وقت التعذيب نقترب من بعضنا ونتوقف عن أي نقاش عقائدي …
كل واحد يداري صاحبه … ماإلنه أحد بس احنه لبعض....
وكانت نقاشاتنا تصل إلى الصراخ على بعضنا خاصةً في موضوع من هو أحق بالخلافة بعد الرسول ؟، وشتم نساء النبي،والظلم الذي وقع على آل البيت ،ومن هي العقيدة الأصح؟ ومن هو عنده الحقيقة؟؟ووووووووووووونبش كل التاريخ وما يحمله من مصائب وويلات وحروب وغزوات ومعارك وأحاديث….
؟ حوارات شاقة ومتعبه ومخيفة
وبعض مرات نلعن بعضنا بصوت عالٍ .. حد التمنّى لبعضنا أن يحقق معنا المقدم قاسم أبو درع (أقسى محقق في تاريخ العراق)
أو أن يحشرنا الله في جهنم وبئس المصير، ومختلف الأدعية والتمنيات العدمية
مررنا بكل أنواع قراءة الأدعية، وترديد الآذان بكل شقيه، والتكبير والتهليل والمبالغة في إظهار أفضل مالدينا من العقائد, والأخلاق
وممارسة أقصى مايمكن من التقوى واتهام بعضنا بشتى التهم الرافضية ،والنا صبية ،والتكفير، والتفسيق، والوهابية، والقشامر، والكواويد، ووو، والتدمير حتى التصادم وضرب بعضنا بعض، ..
وفي احد المرات ضربني على فمي وشق شفتي…وانا ضربته على حاجبه وتركت اثر به
وجاء السجان حينها على اثر صياحنا وهتافنا …. انا اردد بأعلى صوتي: لاوليّ إلّا علي، ونريد حاكم جعفري…
هو يقول: الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين …ويهتف بأعلى صوته رافضي… كافر… مشرك…. صفوي…. مجوسي
وانا القول له ناصبي حاقد واصل خايس….. وهو يقول شياطين كفره زنادقة… لنا الجنة ولكم النار... وموتانا شهداء وموتاكم كفرة وزناديق...ولكم الخزي والعار ولنا صحبه رسول والأبرار
أقول له: انظر إلى ذيلك ياناصبي… ليش تضمه طلع ذيلك…. ممسوخين قردة وخنازير، و لنا الحور العين والجنة والسكر والعسل ولكم قذارت جهنم والطين.
في إحدى المرات دخلنا في نقاش حاد .. قال لي :بأن شيخ سعودي قال له: إننا نفعل الفاحشة مع بعضنا... وانا هجمت عليه ،وحلفت بالعباس أبو فاضل إننا شرفاء، ومو من قوم لوط.. ولك عيب عليك ياخايس انتو وهذا الشيخ الوهابي القواد اللعين… القذر الأجرب……

و قلت له بان شيخ الحسينية يقول: إن السنة عدهم ذيول لأنهم ماأنصفوا الإمام…ووووووووووووووووووو بعدها توتر الموقف وتشنج كثيراً، خاصةً الموضوع صار حسّاس بيه شرف وقوم لوط وذيول..
كانت أقوى معركة طوال معايشتنا لبعض في زنزانة واحدة انفرادية ردم بوكسات، وكلاّت، وجلاليق،.. لحد محد يفاككنه.. متنه من ضرب أنفسنا وبعدها فوكاها  أخرجونا الجلادين، ودك تعذيب لحد الصباح وسلخوا جلودنا سلخ،
وبقينا في زنزانتنا لمدة أسبوع نزحف زحف على ركبنه إلى المرحاض، لاأحد يستطيع أن يقف على قدميه أو يساعدنا
(حيل) وكل واحد منا يقول لصاحبه حيل وياك ياكافر……….. ناصبي رافضي ووووووو
وهو يتألم ويتحسّر.. يتألم كثيراً عندما يرى الدم يسيل من أصابعي وكل جسدي ،ضربوني بعنف وقسوة مفرطة….. بس بدينة نضحك واحنه نذكر المواقف الي صارت ... تخرّب من الضحك….رغم الألم..
وانا متت من الضحك لمن ذكر عبد الرحمن للجلاد باني قلت: عدهم ذيول ،والجلاد موصلي ومتعجرف كلّش ….. ذبحني من الكتل…. ورم مؤخرتي من السياط  قال عبد الرحمن : سأقوم أساعدك ….. انتظرني لكنه لايقدر أن يقف على أقدامه…… استغفر الله كثيرا
ثم بعدها نصمت ،وننظر لبعضنا بحب غريب وعطف وحنين ودموع تتساقط منا بدون ارادة …… ونحن نخفي حبنا وألمنا ودموعنا وتعلقنا ببعض،  كأننا نقول: لماذا نفعل بأنفسنا هكذا ياربي؟.. اللعنة على الشيطان
هو قال بصوت عالٍ :أنت اللي بديت….. وانا أقول له :أنت اللي بديت... أنت تقول احنه مناويك…. وهو يقول ليش انته تقول احنه عدنه ذيول وقردة وخنازير  وبعدها نضحك لمن يعثر واحد في محاولة للقيام على اقدامة
ونتذكر ساعات التعذيب وشلون الجلادين جبرونا على الرقص وشدوا القماش على مؤخرتي ويضحكون علينه واحنه نرقص على أنشودة: (عونج ياكاع .. اي والله وعلى الساتر هلل شاجوري… كلحنه اسباع ...إي والله…. وعونج ياكاع))

ونحن نرقص بألم وخوف ثم نضحك بقوة ونسكر من الضحك حد الهستريا... هههههههههههه ضحك وآلم وضحك وألم وضحك وألم…. أخ آخ!.. اشكد احنه أغبياء بالله…. مصيبة سوده…. كضّينه عمرنه ركص وردح ولطم وبواجي وكأننا لعبة لمن من هب ودب يضحك علينه عبر التاريخ واحنه نعتقد ارو احنه أبطال..
وهو يقول: والله احنه مجانين… ماذا فعلنا بأنفسنا؟! …. لماذا كل هذا الخراب ياربي؟!... لماذا كل هذا الموت والألم …… استغفر الله العلي العظيم
ولمدة 5 أشهر بقينا سوياً نتعارك ، ونتصالح ،ونبكي مع بعضنا، ونفرح ، ونضحك, ونتحدث عن الأحلام والموت والجنة .ونلعن اليهود لأنهم هم السبب .. ونتمنى أتصير عدنه غوائل…قلت: إذا يصير عندك ولد شنهو اسميه؟… قال لي: عمر.. وأنت شنهو اسميه قلت له سجاد…. صمتنا بعدها

بس كنا يومياً نحلم ونرى نفس الأحلام …عجيبة! ..انا أقول شفت حلم بالإمام موسى ابن جعفر (ع ) وهو يصمت ويدمدم بفمه بكلمات بس متطلع…… وانا أغلّس..كأني ماسمعت .. ولو قلبي يحترك بس أغلّس
وهو يقول: أنا شفت حلم بسيدنا عمر .. وأنا أدمدم بقلبي واصمت، وهو يغلّس …نحتاج انغلّس حتى نتعايش، أفضل ألنه... كلانا يرى نفس الحلم لكن باختلاف الأسماء والعناوين والرموز… بس نفس الحلم
وحلمنا مرة نفس الحلم بالضبط… ياسبحان الله! ..نفس الصور نفس العلامات امرأة تشبه أمك وأمي ولابسه شيلة وعصّابة سوده … ودموعهة تجري على طول وجهه الذي امتلاء كله تجاعيد ... وبيدها علم العراق ،و اليد الثانية المفاتيح …نفس الحلم ونفس الأم ونفس الأسماء ونفس الشكل والألوان …. جا ليش؟.. لماذا إذا كنا نفس الحلم ونفس الأم…لماذا أمهاتنا تبكي علينا؟..ليش الأم تبكي علمود التاريخ؟.. العن أبو التاريخ يا أبو اللي كتبه

وكنّا في أوقات الصلح نتحدث أيضا عن تاريخنا الشخصي وحياتنا وعوائلنا وأسمائهم وطموحاتنا والمقالب التي مرت بنا في مناسبات الزواج والفواتح، والهوسات، والعَراضة، والغناء، والخشابة... والهيوا، والجوبي، وياس خضر، وحسين نعمه، أمل خضير، وكوكب حمزة، مظفر النواب، وقحطان العطار، ويوسف عمر،فؤاد سالم ،ومرات انغني ونبجي ... ونستغفر الله، ومرات نلطم سوية…. وهو يحب النواعي مالتنة، وأنا صوتي حلو… تعلمت النعي من أمي..وأجرّهة أبو ذيه، وهو عيونه ماتتوقف دمع ابد..

عرفنا كل تفاصل حياتنا وأحببنا بعضنا بصمت غريب وكتمان تحجبه الذاكرة المريضة التي امتلئت بالقسوة على الاخر قسوة غريبة .. اعرف هون يحبني وهو يعرف انتا احبه بس نستحي من حبنا ...شوف اشلون خلونا نستحي من الحب .....والرجولة عدنه ان نعذب بعض وندمر بعض ونكره بعض ،

وفي يوم خروجه من السجن بلغوه عصراً انه سيخرج الصبح غداً.. بقينا الليل كله نتحدث وقلت: ..بشرفك أريد اسئلك بس بشرفك لاتزعل… قال لي: تفضل اسأل؟ .. يعني انتم صدك عدكم ذيول لو كذب ؟..وخرب من الضحك،وقال :تعال شوف؟…قال: نحن كنا نعتقد انتم عدكم اذيول

.قلت له: والحمزة والكاظم ماعدنه لاذيول ولا إحنه من قوم لوط  عمي احنه عشائر عراقية وكلنه من نفس العشائر… والله أنا مستحي منك…. وهو يقول: وأنا مستحي منك هواي..  و نودع بعضنا طول الليل ونبكي  وفي الصباح خرج عبدا لرحمن، وذهبت أنا إلى السجن الكبير في الشعبة الخامسة لأكمل مسيرتي من التعذيب.. فالسجون تغط بأبناء مذهبي الشيعي والشوعي عل نفس الوزن... والكل اتصلي على محمد والله محمد وتلعن أعدائهم ليوم الدين… رجعنه لجماعتنه وحمّل اذيول للصبح وأخيراً نحن في محطة الباص في بافلوا في نيويورك .. قال لي: لم تتغير مازلت تشبه الأسد .قلت له :أنت مازلت كذلك تشبه النسر هل تتذكر هذا الكلام؟..  :نعم أتذكر جيداً

كل مانظرت إلى نفسي أو يسألني ابني عن الأثر في حاجبي أشعر كم نحن مساكين وممتلئين خراب وجهل وكأننا مازلنا خارج التاريخ الإنساني . وأنا اتلمّس العلامة تحت شفتي…
: تعرف كم يؤلمني ويوجعني تاريخي جدا ياصديقي.؟؟؟؟… مؤلم أن نرى بعضنا من خلال تاريخ التوحش والمرض….. العقائد مؤلمة حقاً ياصديقي ……
ضحكنا وبقينا ست ساعات …. قبل أن اذهب إلى بوابتي نظرت إليه وقلت له: ابنك عمر وين صار؟… قال لي: يدرس هندسة وخوش إنسان وما يعرف أي شي عن تاريخي… بس الخير
وأنت ابنك سجاد؟…. قلت له :بعده بالإعدادية أخر سنه وإنسان حبّاب وعاقل …ويضحك لمن احكي له حكايتي, ويستغرب
قلت له : بعده ذيلك موجود اللي شفته بالسجن اشطوله، لو سويتله عملية؟….ههههههههههه قال لي: ماخليت اله اثر ابد
……قال لي: وانته بعده ذيلك اسود،ومن قوم لوط… بعدكم؟
قلت له: بترت ذيلي بتر من الاصل …. وتبت والعباس أبو فاضل..
قال لي: وحد الله.. قلت له: ماأوحد بكيفي …. قلت له: صلي على محمد وال محمد…. قال ماأصلّي بكيفي…
قهقهنا بصوت عالٍ
قلت: لا اله إلا الله…. وهو قال: الهم صلي على محمد وال محمد..
اعتذرت له بحب على كل الذي حصل في الماضي اللعين ... وقبّلته
قال لي: لا تقول ذلك يمعود أنا أعتذر منك …. احبك هواي...: وأنا كذلك احبك..
تعانقنا ومضى كل واحد إلى طريقه قال لي: سيكون لنا لقاء
.. أتمنى أن يكون في العراق.
صعدنا الباص كلٌ الى طريقه…
أحدّث نفسي : شنهو الخلاف؟.. شو أمي نفس اسم أمه، ونفس الشكل والضيم والقهر وعكال ابوه نفس عكال ابوي ونفس العشائر ونفس الوطن والماي والنهر والكصب والدولمة والبامية والباجة والحب والكرم.. شنهو صار ليش كل هذا صار؟! …كم كنا مغلفين بالوهم.
أخيراً نحن الاثنين هربنا من بطش النظام الدكتاتوري المخيف الى بلاد كنا نسميها بلاد الكفر ….وكلانا تعرض لأنواع العذاب وجلد الذات والاغتراب والهجرة والخوف والفقر.
وها نحن اليوم ،و الآن وفي هذه اللحظة … وجه لوجه،بدون مسافة ولازمن , ولكن هذه المرة كنّا بدون ذيول حقاً
ونصيحتي ألكم أصدقائي كل واحد يتلمس نفسه.. أكو ذيل لو … واذا...عيب تره!.. والعباس أبو فاضل …عيب
. . حبي ألكم…بلا ذيول
وليد عبدالله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان