الحركات الاصلاحية بين التوحيد والتفريق حسب رؤية علي الوردي
ومن المؤسف ان
نرى رجال الدين لا يفهمون الحديث النبوي على هذا المنوال. فهم يعتبرون
أقوال النبي أحكاما مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. بينما هي قد قيلت لمعالجة
المشكلات الآنية التي كان يعانيها اتباعه بين حين وآخر.
كان النبي يأمر أتباعه بان لا يتفرقوا أو يختلفوا فيما بينهم. وهذا أمر يأمر به كل زعيم مصلح حين يرى اتباعه يختلفون فيما لا يجوز الاختلاف فيه فيضعفون أنفسهم ازاء العدو. ولكن النبي أمر اتباعه أيضاً
كان النبي يأمر أتباعه بان لا يتفرقوا أو يختلفوا فيما بينهم. وهذا أمر يأمر به كل زعيم مصلح حين يرى اتباعه يختلفون فيما لا يجوز الاختلاف فيه فيضعفون أنفسهم ازاء العدو. ولكن النبي أمر اتباعه أيضاً
بان يثابروا على اتباع الحق ولو أدى ذلك بهم الى مخالفة الجماعة. فطاعة المخلوق في رأيه لا تصح عند مخالفتها طاعة الخالق.
ان الثورة الفرنسية قد وصلت الى أهدافها وانها أنهت عملها في داخل البلاد. وادعى الجيرونديون بان واجب الثورة صار منحصرا في أمر الحرب خارج البلاد لكي تنشر الثورة به مبادءها في انحاء العالم.
ووقف روبسبير موقفا شديدا ازاء هذا الرأي وقال: ان العدو الذي يعترض الثورة هو داخل فرنسا لا خارجها. وان الثورة يجب أن تكون حربا أهلية بدلا من أن تكون حربا قومية. واضاف روبسبير الى ذلك قائلا: ان مبادىء الحرية والعدل لا يمكن ان تفرض بالسيف على بلاد خارجية. فالناس لا يحبون المبشرين المسلحين.
وطاب روبسبير ثوار فرنسا ان يولوا وجوههم شطر بلادهم فيحققوا فيها مبادىء الثورة قبل ان يتطلعوا الى نشرها في بلاد الآخرين.
ان هذا الذي حدث في فرنسا يحدث في كل بلد تنشأ فيه حركة اجتماعية جديدة. فالمحافظون من المترفين وأصحاب المصالح المركزة يقاومون الحركة في أول أمرها. واذا نجحت الثورة رغم آنافهم حاولوا ان يجمدوها وان يوقفوها عند حدها الذي وصلت اليه. وعندئذ يأخذون بالدعوة الى صيانة النظام العام ووحدة الجماعة أو تقويتها ازاء اعدائها في الخارج.
اما المجددون المتمردون فهم لا يهتمون بقوة الجماعة أو وحدتها بمقدار اهتمامهم بالعمل على تحقيق مبادىء العدالة والمساواة جيلا بعد جيل. وهم يرون بان الحروب الخارجية تلهى الناس عن الاهتمام بمبادىء الثورة الاولى وقد تشغلهم بحماسة قومية لا صلة لها بتلك المبادىء.
يقول ابن العربي عن الحسين: "انه قتل بسيف جده" ويعني بذلك ان الحسين قتل بسيف الاسلام لانه في نظر ابن العربي خرج على دين الاسلام حين خرج على امام زمانه يزيد ابن معاوية.
هذا ولكننا حين نستمع الى رأي الحسين نفسه نجده من نوع آخر. فالحسين قال اثناء ثورته على الامويين: "ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفىء واحلوا حرام الله وحرموا حلاله".
ونحن نلاحظ مثل هذه المشادة في الرأي عندما اجتمع معاوية بأولئك الذين نقموا على قريش استئثارها بالفىء واحتكارها مناصب الدولة.
كان الناقمون يطالبون قريشا بمبادىء العدل والمساواة، وكان معاوية يذكرهم بامامة قريش وانها حامية الاسلام وانهم اذا تفرقوا عنها أضعفوا الامة فضاع من يدها الملك والنصر تجاه الامم الاخرى.
ونلاحظ مثل ذلك عندما دعى محمد قريشا المترفة الى دين الاسلام في أول الأمر.
يقول عبد الله بن عمرو: "حضرتهم وقد اجتمع اشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط سفّه احلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرّق جماعتنا وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم..".
وشوهد عمر ابن الخطاب قبيل اسلامه يبحث عن محمد فسئل عن سبب ذلك فقال: "أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها. فأقتله".
وهنا يتضح بجلاء طبيعة المشادة في الرأي بين الجبهتين المتضادتين في المجتمع. فالجبهة المحافظة تريد وحدة الجماعة وصيانة قوتها، بينما الجبهة المجددة تريد الاصلاح الاجتماعي بغض النظر عما في ذلك من ضعف أو تفرق.
يقول مانهايم: ان الافكار البشرية على نوعين متضادين:
1_ الافكار المحافظة التي تؤيد النظام القائم وهو يسميها Ideologies و
2_ الافكار المعارضة التي تدعو الى نظام مثالي وهو يطلق عليها Utopias.
ويذهب مانهايم الى أن أصحاب المصالح القائمة هم عادة من أولى الافكار المحافظة. فهم يدعون الى تدعيم الواقع الراهن، فليس في الامكان أبدع مما كان. وكل اصلاح يعد في رأيهم مربكا للمجتمع ومقلق لنظامه القائم.
وهذا الراي الذي جاء به مانهايم يوافقه عليه اليوم كثير من علماء الاجتماع.
فيقول فبلن عن الطبقة المترفة، وهو يسميها الطبقة الفراغية، انها ميالة الى التزام الجبهة المحافظة. وأبناء هذه الطبقة يخافون من كل تغير اجتماعي أو تجديد لان ذلك قد يضيع عليهم الوضع المريح الذي هم فيه. فمصالحهم المادية تجعلهم حريصين على ابقاء كل قديم على قدمه.
اما سمنر فهو يفرق بين "المثل العليا" والقيم الاجتماعية. وهو بهذا يشبه مانهايم في تفريقه بين آراء المحافظين وآراء المعارضين. فالمثل العليا في رأي سمنر هي سلاح المتذمرين. اما القيم الاجتماعية فهي التي يستخدمها أولو النفوذ في المجتمع لكي يدعموا بها نظامهم القائم ولو كان ظالما.
يدعونا الانصاف هنا ان نذكر بان هذه النظرية التي جاء بها اليوم علماء الاجتماع، قد جاء بها القرآن منذ زمان قديم.
يقول القرآن في احدى آياته: "وما أرسلنا في قرية من نذير ألا قال مترفوها انّا بما أرسلتم به كافرون".
وقال في آية أخرى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق، وان يروا كل آية لا يؤمنون بها، وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا".
وفي القرآن عدة آيات أخرى تؤدي الى ما يشبه هذا المعنى، اذ هي تشير الى ان المترفين يقاومون الدعوات الجديدة دائماً وهم ميالون للمحافظة على ما وجدوا آباءهم عليه من قيم وعادات وآراء.
وهناك آية ذات مغزى اجتماعي هام من هذه الناحية. ففيها يقول القرآن: "واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".
والواقع ان هذه الآية واضحة في دلالتها الاجتماعية، فالناس اذا سكتوا عن جرائم المترفين وخضعوا لامرهم واتحدوا على طاعتهم أصبحوا مستحقين للعقاب مثلهم.
وهنا نجد القرآن يخالف وعاظ السلاطين فيما ذهبوا اليه من وجوب الطاعة للسلطان ولو كان ظالما. فطاعة الظالم هي بذاتها ظلم وهي تستحق العقاب مثله وقد قال النبي محمد: "اذا رأيت أمتي تهاب الظالم ان تقول له انك ظالم فقد تودع منها".
خلاصة الامر: ان من خصائص كل دعوة اصلاحية جديدة انها تفرق الجماعة. ذلك لان المترفين يقفون لها بالمرصاد ويقاومونها ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
المصدر
كتاب وعاظ السلاطين علي الوردي
ان الثورة الفرنسية قد وصلت الى أهدافها وانها أنهت عملها في داخل البلاد. وادعى الجيرونديون بان واجب الثورة صار منحصرا في أمر الحرب خارج البلاد لكي تنشر الثورة به مبادءها في انحاء العالم.
ووقف روبسبير موقفا شديدا ازاء هذا الرأي وقال: ان العدو الذي يعترض الثورة هو داخل فرنسا لا خارجها. وان الثورة يجب أن تكون حربا أهلية بدلا من أن تكون حربا قومية. واضاف روبسبير الى ذلك قائلا: ان مبادىء الحرية والعدل لا يمكن ان تفرض بالسيف على بلاد خارجية. فالناس لا يحبون المبشرين المسلحين.
وطاب روبسبير ثوار فرنسا ان يولوا وجوههم شطر بلادهم فيحققوا فيها مبادىء الثورة قبل ان يتطلعوا الى نشرها في بلاد الآخرين.
ان هذا الذي حدث في فرنسا يحدث في كل بلد تنشأ فيه حركة اجتماعية جديدة. فالمحافظون من المترفين وأصحاب المصالح المركزة يقاومون الحركة في أول أمرها. واذا نجحت الثورة رغم آنافهم حاولوا ان يجمدوها وان يوقفوها عند حدها الذي وصلت اليه. وعندئذ يأخذون بالدعوة الى صيانة النظام العام ووحدة الجماعة أو تقويتها ازاء اعدائها في الخارج.
اما المجددون المتمردون فهم لا يهتمون بقوة الجماعة أو وحدتها بمقدار اهتمامهم بالعمل على تحقيق مبادىء العدالة والمساواة جيلا بعد جيل. وهم يرون بان الحروب الخارجية تلهى الناس عن الاهتمام بمبادىء الثورة الاولى وقد تشغلهم بحماسة قومية لا صلة لها بتلك المبادىء.
يقول ابن العربي عن الحسين: "انه قتل بسيف جده" ويعني بذلك ان الحسين قتل بسيف الاسلام لانه في نظر ابن العربي خرج على دين الاسلام حين خرج على امام زمانه يزيد ابن معاوية.
هذا ولكننا حين نستمع الى رأي الحسين نفسه نجده من نوع آخر. فالحسين قال اثناء ثورته على الامويين: "ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفىء واحلوا حرام الله وحرموا حلاله".
ونحن نلاحظ مثل هذه المشادة في الرأي عندما اجتمع معاوية بأولئك الذين نقموا على قريش استئثارها بالفىء واحتكارها مناصب الدولة.
كان الناقمون يطالبون قريشا بمبادىء العدل والمساواة، وكان معاوية يذكرهم بامامة قريش وانها حامية الاسلام وانهم اذا تفرقوا عنها أضعفوا الامة فضاع من يدها الملك والنصر تجاه الامم الاخرى.
ونلاحظ مثل ذلك عندما دعى محمد قريشا المترفة الى دين الاسلام في أول الأمر.
يقول عبد الله بن عمرو: "حضرتهم وقد اجتمع اشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط سفّه احلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرّق جماعتنا وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم..".
وشوهد عمر ابن الخطاب قبيل اسلامه يبحث عن محمد فسئل عن سبب ذلك فقال: "أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها. فأقتله".
وهنا يتضح بجلاء طبيعة المشادة في الرأي بين الجبهتين المتضادتين في المجتمع. فالجبهة المحافظة تريد وحدة الجماعة وصيانة قوتها، بينما الجبهة المجددة تريد الاصلاح الاجتماعي بغض النظر عما في ذلك من ضعف أو تفرق.
يقول مانهايم: ان الافكار البشرية على نوعين متضادين:
1_ الافكار المحافظة التي تؤيد النظام القائم وهو يسميها Ideologies و
2_ الافكار المعارضة التي تدعو الى نظام مثالي وهو يطلق عليها Utopias.
ويذهب مانهايم الى أن أصحاب المصالح القائمة هم عادة من أولى الافكار المحافظة. فهم يدعون الى تدعيم الواقع الراهن، فليس في الامكان أبدع مما كان. وكل اصلاح يعد في رأيهم مربكا للمجتمع ومقلق لنظامه القائم.
وهذا الراي الذي جاء به مانهايم يوافقه عليه اليوم كثير من علماء الاجتماع.
فيقول فبلن عن الطبقة المترفة، وهو يسميها الطبقة الفراغية، انها ميالة الى التزام الجبهة المحافظة. وأبناء هذه الطبقة يخافون من كل تغير اجتماعي أو تجديد لان ذلك قد يضيع عليهم الوضع المريح الذي هم فيه. فمصالحهم المادية تجعلهم حريصين على ابقاء كل قديم على قدمه.
اما سمنر فهو يفرق بين "المثل العليا" والقيم الاجتماعية. وهو بهذا يشبه مانهايم في تفريقه بين آراء المحافظين وآراء المعارضين. فالمثل العليا في رأي سمنر هي سلاح المتذمرين. اما القيم الاجتماعية فهي التي يستخدمها أولو النفوذ في المجتمع لكي يدعموا بها نظامهم القائم ولو كان ظالما.
يدعونا الانصاف هنا ان نذكر بان هذه النظرية التي جاء بها اليوم علماء الاجتماع، قد جاء بها القرآن منذ زمان قديم.
يقول القرآن في احدى آياته: "وما أرسلنا في قرية من نذير ألا قال مترفوها انّا بما أرسلتم به كافرون".
وقال في آية أخرى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق، وان يروا كل آية لا يؤمنون بها، وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا".
وفي القرآن عدة آيات أخرى تؤدي الى ما يشبه هذا المعنى، اذ هي تشير الى ان المترفين يقاومون الدعوات الجديدة دائماً وهم ميالون للمحافظة على ما وجدوا آباءهم عليه من قيم وعادات وآراء.
وهناك آية ذات مغزى اجتماعي هام من هذه الناحية. ففيها يقول القرآن: "واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".
والواقع ان هذه الآية واضحة في دلالتها الاجتماعية، فالناس اذا سكتوا عن جرائم المترفين وخضعوا لامرهم واتحدوا على طاعتهم أصبحوا مستحقين للعقاب مثلهم.
وهنا نجد القرآن يخالف وعاظ السلاطين فيما ذهبوا اليه من وجوب الطاعة للسلطان ولو كان ظالما. فطاعة الظالم هي بذاتها ظلم وهي تستحق العقاب مثله وقد قال النبي محمد: "اذا رأيت أمتي تهاب الظالم ان تقول له انك ظالم فقد تودع منها".
خلاصة الامر: ان من خصائص كل دعوة اصلاحية جديدة انها تفرق الجماعة. ذلك لان المترفين يقفون لها بالمرصاد ويقاومونها ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
المصدر
كتاب وعاظ السلاطين علي الوردي
تعليقات
إرسال تعليق
التعليق ضروري لاهمية مشاركة الاخرين وجهة نظر وافكار وان كانت لا تتفق معنا , الصمت ليس علامة الموافقة دائما فلا تحرمنا من فرصة الاستفادة منك للاضافة تنقيح افكارنا من الخطأ الذي قد نقع به ويقع به الاخرين حينما يطلعون على افكارنا , فلا تكن بخيلاً بتعليق لن ياخذ منك سوى دقيقة سواء اتفقت ام اختلفت معنا .