مذكرات كلب عراقي

الصادرة عن دار ثقافة ـ بيروت، 176 صفحة، 2012.




مدخل الرواية
في بلد لا أريد أن أذكر له إسماً، اجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدون هذه المذكرات التي مرت من عمري. كما تعرفون فجنس الكلاب من فصيلتي لا نعيش لأكثر من إثنتي عشرة سنة من سني البشر، ونصل للتسعين بعدد سنينا الكلبية، على الرغم من أنني لا أطمح حقيقة بالوصول لهذا العمر المتقدم.


أجلس في ركن من بيت متداعي، أحمد الله أنني أجد في مسطبة قريبة من مخزن البيت، مأوى أميناً يقيني من سياط الشمس وبلل المطر لأمضي فيه أيامي الأخيرة براحة ودعة. أعرف أنكم لا بد أن ادركتم أنني قد غادرت بلدي العراق مكرهاً منذ سنة ونصف السنة، و لأنني لم الحظ شيئاً هاماً في هذه المدة الأخيرة في هذا البلد الذي أعيش فيه اليوم ـ والذي لا أريد أن اذكر له إسماً ـ لذا لن تسمعوا عنه شيئاً في مدونتي هذه.
كما هو معروف عن فصيلتنا الكلبية من حراك، فقد تستغربون أن تجدونني خامداً أكرس أيامي المتبقية لكتابة مذكراتي نباحاً وراء آخر ـ كما إعتاد النقاد أن يسمونها ـ ولتسمحوا لي ان أكررها ها هنا ليس تبجحاً بعلم ولا سخرية منك عزيزي القارئ، فثقل أيامي الأخيرة بفقرها و جوعها و مرضها ومتاعب الشيخوخة، هذا دون ذكر جرحي الأكبر بمغادرة بلدي العراق، لا يتيح لي ـ ولا لكم كذلك ـ الضحك أو الهزل مما سيأتي ذكره!
لتعلموا أنني لست الأول من بني جنسي بتدوين مذكراته. ولكني على الأقل قد أكون المنفي الأول في كتابتها، فلم يحصل لي الشرف بقراءة مذكرات كلب بعيد عن أرضه. سمعت بمذكرات قطط ونعاج وأبقار، بل حتى فئران، تصفُ فيها أيامها في سفر طويل أو مغامرة بعيداً عن أوطانها، أما عن مغامرات كلب منفي، فقد أكون الأول الذي يدون ذلك.
كما لا بد أن أكون صريحاً بأنني قد استفدت كثيرات من يوميات بهائم سبقتني بتجاربها الغريبة ووقائعها العجيبة، إذ كما تعرفون أن لا أحد منا يكتب شيئاً جديداً، فكله مكررٌ منتحلٌ وما علينا سوى الإضافة أو التصحيح و المراوغة في الإستطراد أو الحذف والتجميل، عليه لا أستطيع أن أقول إن تجربتي تختلف عن تجارب أخرى، إذ ليس فيها سوى شيء واحد مغاير: نباحي الخاص بي لا غير.
لا أغالي إن قلت أن مثلي الأعلى هي رواية (حوار كلبين) لثربانتس، الذي لم أكن أعرف منْ هو حقيقة حتى ذكره لي صاحبي المعلم. كان يقرأ له بإستمرار وحكى لي شذرات من حياته المجحفة الطويلة. لكنني لم أتوقف حينها على معرفة المزيد (ولن أتوقف اليوم!)، فالحقيقة أنه ما أن طرق سمعي للمرة الأولى ذكر صاحبي لرواية ثربانتس المثالية تلك حتى إزداد نباحي تعلقاً بسماعها. ولم أملْ لمرة واحدة من سماعها على لسان معلمي، حتى أنني قد حفظت عن ظهر قلب كل تفاصيلها و مفرداتها و تقنيتها.
ولكن لتعلم عزيزي القارئ أنني لم ألجأ للخداع في كتابة مذكراتي هذه، إذ أنني إستفدت من الرواية كمثال حي لما يمكن أن أكتبه، ولم أقلدها بالمرة. كما أنني لم أنتحل منها ولا كلمة واحدة، ذلك إن كل ما أكتبه هنا هو ما جرى لي فعلاً ولا علاقة لكلبيّ الأكتع الأزعرين بها من قريب أو بعيد، سوى ذكرهما بين سطور هذه المذكرات.
كما أنني سمعت أن أحدهم، لا أعرف منْ قال هذا ـ لتعذرونني فذاكرتي تضعف مع مرور الأيام ـ قد نصح أمثالي بكتابة مذكراتهم بالشخص الأول، لسببين: أنها مذكرات خاصة، والأهم من هذا، هو أن أجعلها لصيقة بكل منْ سيطلع عليها، قريبة منه كقرب الجفن للعين كما تقول الأغنية الشعبية العراقية، وكأنها تجربته الشخصية ذاتها. متأملاً فيها أن تكون عبرة ومثلاً لكلاب المستقبل فيما لو شاءت كتابة فصول حياتها بنفسها.
لا شيء آخر أضيفه بعد. فأقول أنني المدعو (ليدر) أدون هذه الأوراق بكامل إرادتي، وليس لي غرض منها سوى مراجعة تفاصيل ما عشته، وكأنه يمر بخيالي كشريط حي بكل مرارته وحلاوته. فمصير الواحد منا كما قال احد البوهيميين ليس أكثر من هذه الخربشات الممهورة ببصمة مبهمة، والتي نظنها غير جديرة بالتمعن، فتكون عند غيرنا أكثر من رغبة و شهادة عن مرورنا العابر في ثقب الحياة المتأرجحة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصل الارهاب في علم الاحياء

كَمَـان وشمعـدان

رمضان